الرئيسية / علوم عامة / كيف تعمل الذاكرة عند الانسان ؟

كيف تعمل الذاكرة عند الانسان ؟

[النسـيان:

لابد أن نعرف كيف تكون الذاكرة والمعلومات عند الإنسان لكي نعرف ما يترتب عليها وهو النسيان أو الغفلة عما فيها أو بعضه.

فمعلومات الإنسان يأتي بعضها من هذا العالم الجسماني عن طريق البصر والسمع مثلاً، ويأتي بعضها من الملكوت الأعلى ومثال ما يأتي من الأعلى هو الوحي للأنبياء  والرؤيا الصادقة.

وهذه المعلومات تنطبع في صفحة الإنسان أو يمكنك تسميته موضع الذاكرة أو المعلومات، وهو في النفس الإنسانية (الروح) وليس في الجسد كما يتوهم كثير من الناس انه في الدماغ، بل الدماغ هو تماماً كجهاز الفاكس أو التلفون فهو ليس موضع حفظ المعلومات الدائم، بل هو جهاز يوصل المعلومات من وإلى وجود الإنسان في هذا العالم الجسماني.

وهذه المعلومات ما دام الإنسان في هذا العالم فهي في زيادة مستمرة فمثلاً ما تراه بعينك وتدركه وما تستمعه بأذنك وما تقرأه هي معلومات متراكمة في النفس الإنسانية، والتذكر هو استخراج هذه المعلومات وحضورها عند الإنسان في هذا العالم عند إرادته ذلك.

أما ما يؤثر في هذا التذكر أو تحصيل المعلومة واستخراجها من الذاكرة فهي عدة أمور منها:

أولاً: كم المعلومات، وأثر كم المعلومات على التذكر بين من خلال الواقع الذي نعيشه، فقدرة الطفل مثلاً على الحفظ أكبر بكثير من الكبار، والحفظ ما هو إلا تذكر للمعلومة وسبب قدرة الطفل الفائقة على التذكر هو فراغ ذاكرته من المعلومات تقريباً عند بدء التذكر عنده، وبالتالي فكم المعلومات المتراكم عنده مع مرور الوقت في البداية سيكون تحت السيطرة حيث يكون من السهل فرزه والوصول إلى المعلومة بعكس الكبير الذي تراكم عنده كم هائل من المعلومات يصعب السيطرة عليه. ولتتوضح مسألة الكم أكثر أقول : لو كان عندك شيء تبحث عنه فإن وصولك إليه سيكون أسهل لو بحثت عنه بين عشرة أشياء مما لو بحثت عنه بين مائة.

ثانياً: الكيف أو نوع المعلومات، حيث إنّ المعلومة البسيطة ليست كالمعلومة المركبة والمعقدة، فالأخيرة ربما توضع في الذاكرة بصورة غير منظمة وعشوائية نتيجة عدم الإدراك الكلي والتام لها، وبالتالي يصعب تذكرها أو إخراجها بصورة صحيحة أو بكل جزئياتها ولوازمها بل حتى مع إدراكها ووضعها بشكل منظم ودقيق فإن تذكرها يكون أكثر صعوبة من المعلومة البسيطة؛ لأن تذكرها يحتاج إلى تذكر كل أجزائها.

ثالثاً: الجسد، وهو حجاب يؤثر على تذكر الإنسان ويكون بمثابة غطاء على المعلومات يزداد سماكة كلما زاد الانشغال به لجلب الملائمات له ودفع المنافيات عنه، ويخف كغطاء على المعلومات كلما غُفل عنه لحساب التركيز على المعلومة ولكنه مهما أُغفل يبقى حجاباً وله أثر حيث إنّ هناك ما لابد منه كالأكل للقوة .

رابعاً: النور والظلمة في نفس الإنسان، فكلما زاد النور زادت القدرة على التذكر، وأيضاً كلما قل النور وزادت الظلمة قلّت القدرة على التذكر، ولهذا فيوشع u النبي الطاهر u ماذا نتوقع منه غير أن يتهم نفسه بالقصور والتقصير ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي الظلمة.

خامساً: الدماغ باعتباره جهاز النقل إلى هذا العالم ومنه، فهو يؤثر تأثيراً كبيراً على مسألة التذكر فحركة الدم الصحيحة فيه ووصول الغذاء الملائم له مثلاً تجعله أكثر كفاءة، وحدوث خلل فيه أو مرض قد يؤدي إلى فقدان القدرة على التذكر كلياً أو جزئياً، مؤقتاً أو دائماً.

وهناك أمر أيضاً لابد من الالتفات له وهو أن تكون المعلومة مُحَصَّلَة فعلاً أي إن الإنسان قصد تحصيلها لا أنها مرت على أذنه مثلاً دون أن يستمعها، بل هو سمعها دون التفات منه إليها كما لو أنه مر بمكان ورآه ولكنه لم يهتم لإدراك تفاصيل ما يرى، فهذه غير واقعة ضمن مسألة التذكر لأنها أصلاً ليست معلومات مُحَصَّلَة ليتم تذكرها أو يوصف من غفل عنها بأنه نسيها.

هذه الأمور التي ذكرتها لها علاقة مباشرة بالتذكر سلباً أو إيجاباً، ولكن عادة – عند إنسان معين – لا تؤثر جميعها بنفس القدر والاتجاه:

فمثلاً يمكن أن يجتمع في إنسان واحد: الانشغال بالجسد الذي يؤثر سلباً على قدرة الإنسان على تحصيل المعلومة من الملكوت فضلاً عن تذكرها فيما بعد، مع زيادة النور في صفحة وجود الإنسان الذي يوثر إيجاباً على قدرة الإنسان على تحصيل المعلومة فضلاً عن تذكرها، وأيضاً قدر هذا الانشغال وقدر هذا النور داخل في معادلة التذكر([1]).

ولهذا فمسألة التذكر عبارة عن معادلة وفيها عدد من المتغيرات ومنها الخمسة المذكورة أعلاه، ومن الصعب جدا بل هو مستحيل عادة أن نعرف ناتج هذه المعادلة من خلال معرفة القيمة الحقيقية أو التقريبية لواحد أو اثنين من هذه المتغيرات، بل لابد من معرفة قيمة كل متغير منها لتحصيل النتيجة النهائية أي إننا لا يمكن أن نحكم على مؤمن صالح فقط لمعرفتنا انه مؤمن صالح بأنّ درجة تذكره عالية أو أن نحكم على غير مؤمن طالح فقط لأنه غير مؤمن بأنّ درجة تذكره واطئة، فيمكن أن يكون إنسان غير مؤمن وقيمة المتغير المتعلق بالنور له خمسة بالمائة مثلاً ولكن المتغيرات الأخرى قيمتها عنده عالية لصالح التذكر، وبهذا يكون هذا الإنسان غير المؤمن قد حقق قيمة عالية في معادلة التذكر، ويكون صاحب قدرة فائقة على التذكر رغم كونه غير مؤمن.

والأمر المهم الذي لابد أن نلتفت إليه ونعيه بشكل دقيق أنه لا يمكن لمخلوق أن يحقق ويحصل من هذه المعادلة قيمة كاملة وتامة ليوصف بأن درجة تذكره هي مائة بالمائة، والسبب أنه لا يمكن لمخلوق أن يحقق قيمة مائة بالمائة في كل المتغيرات، وعلى سبيل المثال: متغير النور فإن فرض تحقيق مائة بالمائة فيه يعني أن هذا المخلوق نور لا ظلمة فيه وهذا محال لأن النور الذي لا ظلمة فيه هو الله سبحانه وتعالى([2]).

وبهذا يظهر ويتبين أنه لا يوجد مخلوق يحقق في معادلة التذكر مائة بالمائة ليمكن أن يوصف تذكره بأنه تام وكامل، وبالتالي يكون نسيانه وغفلته مساوية للصفر أي إنه لا ينسى ولا يغفل والله سبحانه لا يمكن أن يخلق مخلوقاً تذكره مائة بالمائة ونسيانه وغفلته صفر، ليس لأن الله غير قادر ولا يتعلق الأمر بالقدرة، بل لأن هذا أمر محال ومعناه تعدد اللاهوت المطلق تعالى الله علواً كبيراً] كتاب رحلة موسى الى مجمع البحرين للسيد أحمد الحسن: ص30.


[1]– ومثاله: عبد مؤمن صالح عابد ولكنه يملأ بطنه بالطعام في بعض الأحيان … فالنور الذي حصله من الإيمان والصلاح والعبادة يؤثر إيجاباً، وأيضاً كلما زادت العبادة مثلاً زاد النور  فالمسألة ليست ثابتة عند حد معين … بينما كونه يملأ بطنه بالطعام في بعض الأحيان يؤثر سلباً على التذكر، وكلما زادت تلك الأوقات التي تكون فيها بطنه ممتلئة زاد التأثير السلبي، وكلما زاد قدر الملء لبطنه زاد الأثر السلبي أيضاً.

 [2]– عن أبي عبد الله u قال: ( إن الله علم لا جهل فيه ، حياة لا موت فيه ، نور لا ظلمة فيه ) وعن يونس بن عبد الرحمن: قال قلت لأبى الحسن الرضا u: روينا أن الله علم لا جهل فيه ، حياة لا موت فيه ، نور لا ظلمة فيه ، قال u : ( كذلك هو ) التوحيد – الشيخ الصدوق: ص 137.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما هي علة إرسال الرسل؟

علة الإرسال الدائمة التي لا تتخلف هي إقامة الحجة: ممّا ...