الرئيسية / غير مصنف / 7- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

7- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(7)

2- الملفت في مسألة إعجاز القرآن أنّ آيات التحدي نفسها لم تصرّح بأنّ التحدي لغوي، ولا أنّ سيرة رسول الإسلام (ص) تشهد بذلك.

أما الآيات فهي قوله تعالى:
  •  “أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ” [يونس: 38].
  •  “أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ” [هود: 13].
  •  “قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا” [الإسراء: 88].
ونحن إذا تدبّرنا الآيات نجدها صريحة في أصل التحدي، لكن لن نجد فيها أي إشارة صريحة إلى أنّ التحدي هو تحدٍ بالرد اللغوي ومعارضة القرآن من جهة فصاحته وبلاغته، فلِمَ لا يكون التحدي – مثلاً – بأن يأتوا بمثل القرآن أو بسورة – أو سور منه – من جهة كونه نوراً وكتاب هداية واستقامة ؟ أو أن يأتوا بمثله من جهة معارفه وحقائقه التي تضمنها، أو من جهة تأثيره في نفوس السامعين له ؟ لِمَ لا يكون التحدي من جهة كون القرآن كتاب موعظة “وإن الله سبحانه لم يعظ أحداً بمثل هذا القرآن، فإنه حبل الله المتين وسببه الأمين، وفيه ربيع القلب وينابيع العلم، وما للقلب جلاء غيره” كما يقول علي (ع)، وغير ذلك من وجوه محتملة.

حقيقة، لا أعرف وجهاً علمياً محكماً وصحيحاً (آية صريحة، رواية قطعية، دليل عقلي محكم) حتّم على العلماء اختيار التحدي بالرد اللغوي دون سواه، علماً أنّ من يقول بالإعجاز اللغوي للقرآن يصوّر النبي (وحاشاه) وكأنه يحمل ما معه من القرآن ويبحث في نوادي الأدب والشعر يومذاك في مكة عن أكثر العرب فصاحة ويتحداهم أن يأتوا بمثله، ولأجل ماذا؟ لأجل أن يثبت نبوته؟!!

لا شك أنّ مثل هذا الأمر ترفضه سيرة الرسول (ص) عند بدايات دعوته – وحتى لاحقاً – رفضاً تاماً، فالثابت قرآنياً وتاريخياً – كما هو واضح لكل من راجع سيرته – أنّه كان يدعو قومه إلى الله بالحكمة ومكارم الأخلاق، ويستند إلى شهادة ربه “قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم” كما يصرّح القرآن بذلك في آيات عديدة، كان يتلو عليهم ما نزل عليه من القرآن، فيؤمن به من يؤمن ويكفر به من يكفر. كذلك: كان يحتج عليهم بالعلم الإلهي الذي زوّده الله به ويجيب أسألتهم، ولم يكن في سيرته شيء يوحي – ولو بإشارة خفيّة – أنه دعا فصحاء العرب في يوم ما إلى معارضة القرآن من جهة الفصاحة والبلاغة اللغوية ليكون عجزهم دليلاً على نبوته كما يعتقد العلماء.

نعم، ربما يجد المتتبع لكلام العلماء في هذا الصدد مقولة للوليد بن المغيرة كثيرة التداول بينهم يصف فيه القرآن بقوله: “… ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وأنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلا وأنه ليحطم ما تحته”، لكن من يفهم الاعجاز اللغوي من مقولة الوليد فهو مخطئ، لأنه كلام لا يتضمن تصريحاً بأنّ القرآن معجز لفصاحته وإنما كان بصدد نفي الشبه بينه وبين المعهود عند العرب من كلام من شعر ورجز ونثر ونحو ذلك، وهذا صحيح فالقرآن ليس من جنس الشعر أو النثر ولا غير ذلك بل له أسلوبه الخاص به، ثم – وهو المهم – متى كان كلام مثل الوليد حجة يحتج بها في دين الله وفي أمر عقائدي خطير كالذي نحن بصدده؟!

والأهم من كل ذلك: بين أيدي الجميع “القرآن نفسه، وما وصلنا من سيرة الرسول محمد (ص)” وبوسع الجميع الرجوع إليهما وقراءتهما، وسوف لن يجدوا لما ظنّه العلماء “التحدي اللغوي” عيناً ولا أثراً.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...