الرئيسية / غير مصنف / 11- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

11- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(11)

إشكال 2: مخالفة القرآن لقواعد النحو.

أيُّ قارئ للقرآن الكريم يجد أنّ الكثير من آياته لم تعبأ بالمشهور من قواعد النحو بشكل واضح، الأمر الذي اعتبره المشكّكون طعناً على القرآن وتشكيكاً في سماويّته، فبحسبهم: كيف يمكن لكتاب إلهي أن يتضمّن أخطاء ومخالفات لقواعد نحوية واضحة!

وهذا مثال منها:
  • “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ” البقرة: 62.
  • “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” الحج: 17.
  • “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ” المائدة: 69.
موضع الإشكال هو كلمة “الصابئون” في سورة المائدة؛ لأن القاعدة النحوية تفترض أنّ اسم “إنّ” منصوب، وكذلك ما يُعطف عليه، واسم “إنّ” في الآية هو “الذين” ومحله النصب كما هو واضح، فينبغي – وفق القاعدة النحوية – أن تكون “الصابئون” في سورة المائدة منصوبة أيضاً؛ لأنها معطوفة على اسم “إنّ”، وبالتالي يكون حالها في المائدة كحالها في سورة البقرة والحج.

الجواب:
إنّ الإشكال المطروح إنما يكون له وجه فيما لو كانت قواعد النحو العربية تصلح أن تكون معياراً لمحاكمة القرآن فعلاً، أما إذا لم تكن كذلك فلا يكون للتشكيك المذكور معنى من الأساس.

وهذه النتيجة يمكننا التوصل لها بعد ملاحظة ما يلي:

1- أجهد الكثير من علماء المسلمين – لغويون ومفسرون وغيرهم – أنفسهم في إيجاد الحلول والتبريرات لمخالفة آيات القرآن لقواعد النحو المقررة لديهم، حتى يبدو للمطلع على كلامهم أنّ القرآن ارتكب جريمة كبرى وأحدث في ثوبه لوثة تنافي قدسيته وينبغي أن تدفع عنه وإن كانت بتمحّل وتكلّف الحلول والتبريرات.

فمثلاً: في المثال أعلاه، ذكر بعضهم في تبرير مجيء كلمة “الصابئون” مرفوعة في سورة المائدة وجوهاً كثيرة، منها:
  •  إنّ الآية فيها تقديم وتأخير، فيكون معناها هكذا: “إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، من آمن بالله… فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون، والصابئون كذلك”، وحينئذٍ تعرب مبتدأً مرفوعاً.
  •  إنّ “الصابئون” وما بعدها جملة استئنافية، فتكون مبتدأ، و”النصارى” معطوف عليه، وجملة “من آمن بالله…” خبر “الصابئون”، وأما خبر “إن” فهو محذوف دل عليه خبر المبتدأ “الصابئون”.
  •  إنّ “الصابئون” معطوفة على محل اسم “إنّ”، ومحله مرفوع قبل دخول “إنّ” عليه لأنه مبتدأ، ولهذا رفعت “الصابئون”.
والغريب أنّ جميع ما ذكر من وجوه تم نقده ومناقشته من قبل علماء اللغة أنفسهم، فكلما طرح أحدهم وجهاً نقضه آخر، ولا يكاد يسلم وجه منها من النقاش عندهم، فمثلاً: الوجه الثالث الذي يتساوى فيه دخول “إنّ” في الكلام مع عدم دخولها رفضه الجرجاني في دلائل الإعجاز: 1/315. وللمزيد: انظر بحث “إثبات مخالفة القرآن لقواعد النحو” للدكتور بشار باقر.

ملاحظتان:
الأولى: التبريرات المقترحة – كما رأينا – انصبّت على كلمة “الصابئون” في آية المائدة، لكنها لم تشر لماذا جاءت نفس الكلمة منصوبة في آيتي سورة البقرة والحج مع أنّ سياق الآيات واحد، خصوصاً آيتا سورة البقرة والمائدة فإنهما بنفس التركيب تقريباً. وإذا كان إهمال البحث في حالة النصب سببه مطابقة الآيتين للقاعدة النحوية المشهورة عندهم، فالسؤال: لماذا لم تكن آية سورة المائدة كذلك، أي مطابقة للقاعدة المشهورة أيضاً؟

الثانية: إنّ الكثير منهم – ولأجل إيجاد مخرج لمخالفة القرآن لقواعد النحو – استعمل بعض القواعد الشاذة لتبرير ذلك، وهذا واضح جداً لمن راجع كلامهم، مع أنهم في ذات الوقت اعتبروا أنّ مخالفة المشهور من قواعد النحو يسلب الكلام فصاحته كما لاحظناه في النقطة الثالثة من جواب الإشكال الأول، وحقيقة لا أعرف وجهاً أجمع به بين قولهم بالإعجاز اللغوي للقرآن من جهة الفصاحة وبين استعمال القواعد الشاذة – التي يفترض أنها تسلب الفصاحة بحسبهم – لتبرير مخالفة القرآن للنحو!

أعتقد أنّ صاحب هكذا توجّه في التعامل مع القواعد النحوية أخطأ مرّتين: مرة بتصويره قواعد النحو وكأنها قانون سماوي مقدس لا يحق لأحد مخالفته، أو نظرية علمية مبرهنة بدليل قطعي لا يمكن معه الخروج عن مؤداها. وأخطأ مرة ثانية بعملية تبرير وترقيع مواضع عدم الالتزام بتلك القواعد في النص القرآني بشكل أسهم بترسيخ فكرة محاكمة القرآن بالقواعد النحوية والإشكال عليه من هذه الجهة، مع أنّ الصحيح لا هذا ولا ذاك كما سيتضح.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...