الرئيسية / غير مصنف / 13- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

13- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(13)

إشكال 3: الأخطاء الإملائية الموجودة في القرآن تنافي – بنظر المشككين – كونه كتاباً إلهياً ومقدّساً.

الجواب:
ابتداءً، أصل احتواء المصحف – المكتوب بالرسم العثماني – ما يخالف الرسم العربي “القياسي” للكلمات أمر موجود في المصحف الذي نقرأه وبكثرة، مثل: “رحمن، صلوة، حيوة، سموات، ابنت، امرأت ……….الخ”، ورسمها القياسي هو: رحمان، صلاة، حياة، سماوات، ابنة، امرأة … وهكذا. لكن هل يؤثر ذلك على أحقيّة القرآن وكون حقيقته ومصدره إلهي؟

كلا بالتأكيد، وهذا يتضح بملاحظة ما يلي:

1- إنّ القرآن مُنزل ومُوحى من عوالم علوية، قال تعالى: “وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” الشورى: 52، وفي العوالم العلوية لا يوجد شيء اسمه ألفاظ وحروف نطقاً وكتابة، فاللفظ وسيلة للفهم والإفهام في عالمنا الجسماني الذي نحن فيه ويعد من مختصاته، أما العوالم العلوية فلما كانت أرقى وأكمل من عالمنا هذا فبالطبع تكون وسيلة الفهم والإفهام فيها تناسب رقيها وكمالها حتماً، ومسألة تعدد العوالم والأكوان ليست حقيقة دينية فحسب ولكنها نظرية علمية ومبرهنة أيضاً، وبها استطاعت الفيزياء الحديثة – ومعطيات نظرية الكم بالتحديد – التغلب على الكثير من المشاكل والمعوّقات التي اعترضت علماء الفيزياء الكونية. (للمزيد: يمكن مراجعة كتاب “وهم الالحاد – الفصل السادس” للسيد أحمد الحسن).

وعموماً، ليس صحيحاً الاعتقاد بأنّ حقيقة ما وأحقيتها تتأثر – ولو بأدنى مستوى تأثر – لمجرد وجود خطأ إملائي حدث أثناء نقلها وكتابتها، وهذا أمر يدركه الجميع بالوجدان، فمثلاً: هل يُعقل أن تُتهم نظرية علمية ثابتة بالدليل العلمي القطعي بعدم الصحة أو النسبة لصاحبها أو التقليل من شأنها لمجرد وجود خطأ إملائي حدث أثناء كتابتها!

وبخصوص القرآن الكريم، فإنّ الأمر الوجداني – المشار إليه – أوضح؛ لأن الرسول محمد (ص) لم يقم بكتابة القرآن بنفسه، وهو أمر يعرفه الجميع بما فيهم المشكّكون، ومسألة “كاتب الوحي” واضحة ومعروفة في سيرته (ص) المتواترة، كما أنّ استحكام الرسم القياسي للأحرف العربية في قواعد إملائية لم يحصل إلا في فترات لاحقة عن نزول القرآن كما سيتضح، وبالتالي فحتى لو افترضنا – وهو افتراض غير واقعي لأنه لم يحصل قطعاً – أنه (ص) كتبه بنفسه وخالف فيه الرسم القياسي في موارد فلا يؤثر ذلك على حقيقة القرآن وأحقّيته في شيء أبداً؛ لما تقدم من أنّه موحى من عوالم علوية، علاوة على أنه – كشأن أي حقيقة أخرى – ليست متقوّمة بالحروف المكتوبة، بل لا يؤثر – أعني الافتراض المذكور – على أحقيته الرسول (ص) وعصمته أيضاً؛ لأن صدقه في دعواه يثبت بقانون معرفة الحجج الإلهيين الثابت عقلاً ونقلاً، وعصمته – أي الاعتصام بالله عن جميع محارم الله بحيث لا يخرج المعصوم أتباعه من هدى ولا يدخلهم في باطل – تثبت بالنص الإلهي تحديداً، وليس من العصمة في شيء عدم مخالفة رسم كلمة مثلاً، خصوصاً إذا ما عرفنا:

– أنه (ص) نطق بالقرآن كله وبيّن من حقائقه للناس بحسب ما سمح به زمنه.
– ترك بعده عِدْلاً للقرآن وصاحباً له لا يفارقه أبداً، أعني الإمام من آل محمد، وألزم أتباعه بملازمة هذا الإمام.

بالتالي، فحتى لو افترض أحد أنّ الخطأ في الرسم قد يؤدي أحياناً – في أسوأ نتائجه المحتملة – إلى عدم وضوح المراد من كلمة ما، فمثل هذا الافتراض لا يأتي بخصوص القرآن بعد وجود “العِدْل” المشار إليه، والذي لا يكلّف المتحيّر والمتردد أكثر من سؤال إمام زمانه الحق ليحكم له ما اشتبه عليه.

بل ولا يؤثر في صدقه وعصمته (ص) أن يكون أمّياً “لا يقرأ ولا يكتب”؛ لأن القراءة والكتابة ليست من العلم الواجب أن يتصف به خلفاء الله “أنبياؤه ورسله” عموماً. ولمعرفة كيفية انطباق قانون معرفة الحجج على رسول الله (ص)، وكذا معرفة العلم الواجب اتصافهم به أنظر: كتاب “عقائد الإسلام” للسيد أحمد الحسن – اضغط هنا
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...