الرئيسية / غير مصنف / 16- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

16- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(16)

إذا اتضح هذا، أعود للإجابة عن الإشكال المطروح، فأقول:

1- مهما تكن الأحداث التي رافقت قضية جمع القرآن ومجرياتها فإنها لا تؤثر على إلهية القرآن كما يفترض المشككون، لأنه – أي الجمع – عمل قام به بعض المسلمين وإذا كان فيه خطأ أو إساءة أو تقليل من شأن القرآن في تصرّف معين صدر منهم فهو أمر يُحسب على القائمين بالعمل لا على القرآن نفسه وكونه كتاباً إلهياً. كذلك مسألة اختلاف علماء المسلمين وتعدد آرائهم في تفاصيل الجمع التي لاحظنا شيئاً منها في السرد المتقدم، فإنها آراء عهدتها عليهم وهم أولى بتحمّل تبعاتها، وليس من النهج العلمي في شيء تحميل القرآن والناطق به تبعاتها إطلاقاً.

كون القرآن الكريم كتاباً إلهياً يثبت بأحقية وإلهية من أتى به ونطق به في هذا العالم أعني رسول الله محمد (ص)، وهذا يعني أنّ من يريد أن يشكك في نسبة القرآن لله سبحانه يجب عليه – منطقياً – أن يبحث في صدق خلافة رسول الله (ص) الإلهية وإرساله منه سبحانه، وبإثبات صدقه (ص) في دعوته يثبت بتبع ذلك أحقية القرآن ونسبته لله سبحانه. ومن يريد الاطلاع على المنهج الصحيح في إثبات صدق رسول الله في دعواه يمكنه مراجعة كتاب “عقائد الإسلام” للسيد أحمد الحسن – بحث خلافة محمد (ص).

2- القرآن كحقيقة إلهية أوحاها الله سبحانه من عالم أعلى إلى قلب رسول الله (ص) مجموع دون شك، ورسول الله نطق بالقرآن كله في هذا العالم، قال تعالى: “لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ” القيامة: 16 – 19. أما بخصوص جمعه (ص) له بنسخة ظاهرة فهو أمر قد حصل ضمن حدود الإمكانات المتاحة له في زمنه، وإلا من أين تأتّى لبعض الصحابة تأليف مصاحف خاصة بهم كأبيّ بن كعب وابن مسعود وغيرهم، وما هو أصل الصحف التي كانت تحتفظ بها حفصة والتي اعتمدها عثمان في جمعه كما تقدمت الإشارة له، أليس ممّا وصلهم من قرآن كان رسول الله (ص) يتلوه على المسلمين ويمليه على الكتبة؟

وعموماً، ما كان يتلوه رسول الله (ص) من قرآن وصل، وما بأيدي المسلمين بعد رحيل النبي (ص) قرآن، كما أنّ ما بين أيدينا اليوم قرآن، ولا تضرّه مجريات الأحداث التي رافقت عملية الجمع ليس فقط لأنها خارجة عن حقيقته التي أظهرها رسول الله (ص) للناس في هذا العالم بأفضل وأروع ما يكون فحسب، ولكن لأن الحجج الإلهيين الذين جعلهم رسول الله (ص) عدلاً وصاحباً للقرآن في كل زمان اعتبروه كافياً.

3- إنّ المشككين – بإشكالهم على طريقة جمع القرآن ومجرياتها – يرون أنّ طريقة جمع القرآن لا تناسب كونه كتاباً إلهياً، وهذا يعني أنهم يفترضون أنّ هناك طريقة للجمع تناسب الكتاب الإلهي دون غيرها، فما هي؟ ما هي طريقة جمع الكتاب الإلهي في هذا العالم التي يفترضها المشكك مناسبة، وما هو دليله القطعي عليها؟

حقيقة، لم يقدموا شيئاً يذكر في هذا الصدد، سوى أنهم يفترضون أنّ طريقة الجمع التي لا تكون حتمية وتفتح إمكانية ضياع شيء من الكتاب تنافي كونه كتاباً إلهياً؛ ونحن غير ملزمين بهذا الافتراض إطلاقاً؛ لأنه افتراض باطل نقلاً وعقلاً:

– أما نقلاً، فلأن القرآن الكريم نفسه ذكر كتباً وصحفاً سماوية وإلهية نزلت قبله لكن لا وجود لها الآن، وعدم وجودها لا يعني أنها ليست إلهية، فممكن أن يكون الكتاب إلهياً ولكنه يضيع أو يضيع بعضه مع مرور الوقت.

– وأما عقلاً، فلأن نقض الغرض ينافي الحكمة، فالغرض من هذا العالم الذي نحن فيه – بحسب معتقدنا الديني – هو امتحان الخلق، وبالتالي لا معنى للحسم والحتمية فيه فيما يتعلق بالقضايا الدينية؛ لأنه ببساطة ينقض الغرض ويلغي الامتحان، ومثل هذا لا يصدر من الحكيم.

وهذا المعطى الأخير بالذات يصلح جواباً على تساؤل ربما يخطر في بال أحد: لماذا لم يحسم الله الأمر قطعياً بخصوص القرآن الكريم ويفرض على الناس نسخة معدّة بطريقة لا تسمح بتطرّق الشك والاحتمال إليها أبداً؟
والجواب: إنّ هذا يخالف الامتحان، وقد قال تعالى: “تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ” البقرة: 253.
هذه دنيا الامتحان ولا معنى للحسم فيها؛ لأنه يلغي الامتحان.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...