الرئيسية / غير مصنف / 17- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

17- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(17)

إشكال 5: يعتبر المشكّكون أنّ وجود قراءات متعددة للقرآن الكريم يكشف عن وجود اضطراب في النص القرآني، وهو يخالف ما نص عليه القرآن من عدم وجود اختلاف فيه.

ويحسن بنا قبل الإجابة أن نقف على بعض الملاحظات المهمة التي تتصل بمسألة القراءات.
يقصد بالقراءات هنا: النطق بالقرآن، فقد حصل الاختلاف فيها حتى أوصل أبو عمرو الداني أوجه الاختلاف بين القراءات إلى ثمانية عشر وجهاً، منها: الاختلاف في الزيادة والنقصان، وتغيير لفظ بدل آخر، والإثبات والحذف، والتقديم والتأخير، والتوحيد والجمع، والتشديد والتخفيف، وتغيير الإعراب والحركات والصرف وغير ذلك (أنظر: الأحرف السبعة: 25)، كما أنّ بعض الصحابة كانت لديهم قراءات خاصة بهم لبعض مفردات القرآن كعمر بن الخطاب، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وعثمان وغيرهم.

الاختلاف في القراءة أدى إلى حدوث نزاع أو خلاف بين بعض المسلمين كالمشادّة التي حصلت بين عمر بن الخطاب وأبيّ بن كعب واتهام أحدهما للآخر بالكذب، وفي رواية أنّ أبيّ قال لعمر: “كان يشغلني القرآن وكان يشغلك الصفق بالأسواق” (أنظر: ابن شبة، تاريخ المدينة المنورة: 2/708، 773).

القراءات كثيرة لكن المشهور منها سبع قراءات، والقراء السبعة هم: عبد الله بن عامر الدمشقي (ت: 118 ه)، عبد الله ابن كثير المكي (ت: 120 ه)، عاصم الكوفي (ت: 127 ه)، أبو عمرو البصري (ت: 154 ه)، حمزة الكوفي (ت: 156 ه)، نافع المدني (ت: 169 ه)، الكسائي (ت: 189 ه).

أول من صنّف في القراءات هو القاسم بن سلام (ت: 224 ه)، وسار في إثره ابن مجاهد (ت: 324 ه) الذي يعدّ أول من اقتصر على السبعة فقط (أنظر: ابن الجزري، النشر في القراءات العشر: 1/33)، ما أثار انتقاد الكثيرين منهم تلميذه ابن أبي هاشم حيث كان يرى أنّ قراءة الأعمش أولى بالقبول من قراءة ابن عامر (انظر: أبو شامة، المرشد الوجيز: 161)، واعتبره – أي الاقتصار على السبع – أبو حيان نقصاً في علم ابن مجاهد، بل عد بعضهم التمسك بالقراء السبع دون غيرهم ليس عليه دليل من أثر ولا سنّة (انظر: السيوطي، الإتقان: 1/215، 216).

أما سبب تعدّد القراءات فيُعزى – بنظر العلماء – إلى أحد أمرين:
1- الوحي، وهو ما زعمه أبو عمرو الداني، يقول: “أصل اختلاف القراءات: ووجه هذا الاختلاف في القرآن أن رسول الله كان يعرض القرآن على جبريل عليه الصلاة والسلام في كل عام عرضة فلما كان في العام الذي توفي فيه عرضه عليه عرضتين فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يأخذ عليه في كل عرضة بوجه وقراءة من هذه الأوجه والقراءات المختلفة” (الداني، الأحرف السبعة: 46). وصريح كلامه أنه استفاد ذلك من أحاديث العرضة الأخيرة، لكنها – بحسب ما وردت في صحاحهم – ليس فيها الإضافة التي ذكرها الداني، وهذا مثال لها: “عن عائشة عن فاطمة عليها السلام أسرَّ إلي النبي (ص) أن جبريل يعارضني بالقرآن كل سنة وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي” (صحيح البخاري: 6/101)، وبالتالي فما استنتجه الداني مجرد اجتهاد وظن منه لا غير.

2- اختلاف اجتهاد القرّاء، فلما كان القرآن مجرّداً من النقط والشكل اختلف القراء في قراءته، وهو المتعيّن، لهذا فإنّ الكثير من العلماء والرواة وأئمة المذاهب والقراء كان لديهم موقف سلبي من بعضها، فمثلاً: كان أحمد بن حنبل يكره قراءتين من القراءات السبع (أنظر: ابن قدامة، المغني: 1/568)، وأبو بكر بن عيّاش – راوي قراءة عاصم – كان يرى قراءة حمزة بدعة (أنظر: ابن حجر، تهذيب التهذيب: 3/25)، والطبري وصف قراءة لابن عامر بالقبح وعدم الفصاحة (أنظر: جامع البيان: 8/58)، وأيضاً وصفت بعض القراءات السبع بالخطأ والغلط والوهم والقبح ونحو ذلك من قبل الكثير من اللغويين منهم الأخفش (ت: 215 ه) الذي أكثر من وصف بعضها بالاضطرار والرداءة والقبح في كتابه “معاني القرآن” فمثلاً: قال عن قراءة “رُهُن مقبوضة” لأبي عمرو بأنها قبيحة (أنظر: الأخفش، معاني القرآن: 2/466، 511، 547)، وكذلك الفراء (انظر: معاني الفراء: 2/75)، والمبرد الذي وصف بعضها بالخطأ والقبح واللحن وعدم الجواز (انظر: الكامل في اللغة والأدب: 3/31، المقتضب: 2/18، 132؛ و: 4/125، 195). ومثلهم المازني والزمخشري وغيرهم.

والأكثر من هذا: إنّ القراءات السبع تعرّضت للطعن حتى من قبل ابن مجاهد نفسه، فمثلاً: وصف قراءة ابن عامر “كن فيكونَ” بأنها وهم وغلط وخطأ في العربية، وقراءة نافع “معائش” بالغلط، وقراءة عاصم بكسر شين “شُيُوخاً” بالخطأ (انظر: ابن مجاهد، السبعة: 169، 179، 206، 278، 409).
هذه المعطيات تكشف بوضوح عن أنّ القراءات السبع – فضلاً عن سواها – اجتهاد من أصحابها ولو كانت وحياً إلهياً لقام الدليل عليها قرآنياً أو روائياً، ولا أقل لما تعرّضت للطعن بالنحو الذي شاهدناه.

وأيضاً: حتى تثبت حجية أي قراءة من القراءات فلابد من العلم بوصولها إلى النبي (ص)، ولا يكفي إيصالها إلى شخص عاصره كأبيّ بن كعب أو ابن مسعود أو عثمان ما لم يثبت إقراء النبي (ص) له القرآن كله، وهو بدوره يروي القراءة إلى من بعده وهكذا حتى تصل إلى القارئ، لذا اشترط بعضهم التواتر؛ لأن خبر الآحاد لا يفيد علماً عندهم، ومثل هذا لن تجد له أثراً، بل يصعب إثبات سند صحيح لبعض القراءات أساساً، فمثلاً: البزي راوي قراءة ابن كثير قال عنه ابن حجر: “قال العقيلي: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث لا أحدث عنه” (لسان الميزان: 1/283). أما تواترها عن النبي (ص) فهو بعيد المنال جداً “وليس عليه أثارة من علم” على حد تعبير الشوكاني (انظر: إرشاد الفحول: 63)، ويقول الزركشي: “والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة، أما تواترها عن النبي (ص) ففيه نظر” (البرهان: 1/318)، لهذا اضطر ابن الجزري إلى وضع ضابطة لقبول القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، هي: “كل ما وافق العربية ولو بوجه + موافقتها أحد المصاحف العثمانية ولو احتمال + صحة سندها” (انظر: النشر في القراءات العشر: 1/9). وهو ما أفتى به الكثير من علماء المسلمين شيعة وسنة في مسألة القراءة في الصلاة.

حاول بعضهم توجيه القراءات السبع بالأحرف السبعة التي رووا أنّ القرآن نزل بها، لكنه توجيه غير صحيح؛ لأن القراءات متأخرة زماناً عن نزول القرآن، وهي أكثر من سبع، إضافة إلى أنهم مختلفون في بيان معنى الأحرف السبعة بين من يراها إبدال بعض مفردات القرآن بما يرادفها أو يقاربها، ومن يراها لهجات أو لغات، ومن يراها أبواب سبعة من “زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال”، ومن يراها وجوه الاختلاف في القراءة… وهكذا، لهذا اعتبر ابن الجزري الخلط بين الأمرين جهلاً وقول من لا علم له (انظر: النشر: 1/33)، بل يرى الزركشي أنّ المتوفر بأيدي الناس منها – بعد جمع عثمان – حرف واحد فقط وهو حرف زيد بن ثابت (انظر: البرهان: 1/222).

والحق، “إنّ القرآن نزل على حرف واحد من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة” كما يقول الإمام أبو جعفر الباقر (ع) (انظر: الكليني، الكافي: 2/630).

وعموماً، كانت هذه بعض الملاحظات التي تتعلق بمسألة القراءات التي عدّها المشككون طعناً بالقرآن الكريم واختلافاً ينفي عنه صفة الكتاب الإلهي.

والجواب على تشكيكهم: …………….. (تابع المقالة رقم 18)
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...