الرئيسية / غير مصنف / 18- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

18- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(18)

والجواب على تشكيكهم:

1- تقدّم بيان المنهج الصحيح الذي تثبت به إلهية القرآن، وقلنا: إنّ اثبات نسبته لله سبحانه وكونه كتاباً إلهياً يتم بإثبات صدق رسول الله (ص) في دعوته، وهكذا يعود الكلام إلى أحقية الرسول (ص) الذي ثبت صدقه بقانون معرفة حجج الله “أنبياء ورسل وأئمة” المبرهن عليه عقلاً ونقلاً والمنطبق على رسول الله (ص) بتمامه (انظر: السيد أحمد الحسن، كتاب عقائد الإسلام: بحث قانون معرفة الحجة + خلافة محمد (ص).

2- ليس النطق بالشيء جزء مقوّم لحقيقته، فأيُّ حقيقة كانت – قرآن وغيره – تتقوّم بوجودها الواقعي والحقيقي، وهذا أمر ثابت بالبداهة لجميع الحقائق وليس القرآن فقط، وفي القرآن يتأكد الأمر أكثر؛ لأنه كتاب سماوي أساساً ظهر لنا في هذا العالم من خلال رسول الله (ص) الذي أظهره عبر وسيلة التفهيم المختصة بهذا العالم وهي اللفظ، ونطق به كله بالنحو الذي يُظهر تمام ما أراده الله أن يظهر، أما اختلاف من جاء بعده من المسلمين في نطق بعض ألفاظ القرآن التي أظهرها فهو أمر خاص بهم وعهدة ما يترتب على اختلافهم في قراءتها عليهم، ومثلها آراء العلماء وظنونهم.

كذلك: أحقية شيء ما لا تتأثر بالنطق به، فمثلاً: مع إيماننا بصدق رسالة كليم الله موسى بن عمران (ع) وبعثه من الله سبحانه – وهو أحد أنبياء أولي العزم – لكن القرآن نفسه صرح بوجود علّة في نطقه أدّت إلى استهزاء فرعون وسخريته منه “أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ” الزخرف: 52، ومع هذا لم يؤثر نطقه على حقه وصدقه في رسالته أدنى تأثير يذكر، وليس هذا حال الحقائق التي تصدر عن الرجال الإلهيين فقط وإنما حتى في غيرهم، وكمثال: لم يشكك أحد من العلماء في صحة بعض النظريات التي توصل لها الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكنج لمجرد عدم قدرته على النطق بها وكتابتها، وهكذا يتضح أنّ الحق والحقيقة لا يتأثران بالنطق بهما أو وجود اختلاف في نطق ما كتب منهما.

3- ليس كل اختلاف في القرآن يؤثر على أحقيته، وإنما لابد من ملاحظة مصدر الاختلاف، فما يؤثر على أحقية القرآن وكونه كتاباً إلهياً هو الاختلاف والتضارب بين مضامينه أو الخطأ فيها ونحو ذلك مما يعود إلى الفاعل “الموحي للقرآن والمظهر له في هذا العالم” أي الله ورسوله ومن يقوم مقامه “وحاشاهم”، أما إذا كان الاختلاف ناشئاً عن المتلقي “القابل” فهذا يعود عليه نفسه؛ لأنه السبب في حدوثه، وهذا النحو من الاختلاف “الثاني” حصوله أمر أكيد في دنيا الامتحان التي لا مجال للحسم والحتم فيها كما أشرنا سابقاً.

4- كان ضمن المخطط الإلهي في التعامل مع القرآن الكريم ما أوضحه النبي (ص) للمسلمين في كل مناسبة سنحت له، صادحاً فيهم بقوله الذي تواتر عندهم: “إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض”، ولو أنهم تمسّكوا بخارطته التي رسمها لهم ما اختلفوا ليس فقط في قراءة القرآن وإنما في بيانه وتفسيره وكشف أسراره ومعارفه وشرائعه وإحكام ما تشابه منه بعد كونه كتاباً سماوياً مرمّزاً.

هذا النهج – أي ضم العِدْل المبيّن للقرآن إلى القرآن – ينفي أي اختلاف يمكن تصوّره من جهة القرآن نفسه قراءة وبياناً وإحكاماً وتشريعاً وغير ذلك، وبهذا يكون نفس وجود القرآن في كل زمان ضرورة ملحّة تستدعي وجود الحجة الإلهي المبيّن له، أما أن يُترك نهج محمد (ص) ويُحاكم – هو والكتاب الذي أتى به ونطق به – على ضوء مناهج أخرى بعيدة عن نهجه فليس من العلم والإنصاف في شيء إطلاقاً.

وبالنسبة لنا فقبولنا للقراءة التي يقرأ بها المسلمون اليوم ليس لأنها ثابتة في حد نفسها بدليل قطعي – تواتر أو سند صحيح مثلاً – ولكن لأن الحجج الإلهيين أمرونا أن نقرأ بها.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...