الرئيسية / غير مصنف / 19- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

19- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(19)

إشكال 6: يرى المشككون أنّ هناك تأثراً واضحاً للقرآن بما سبقه من كتب في الكثير من آياته وقصصه، وهي أقدم منه بكثير، كقصة إبراهيم وأصحاب الكهف السبعة وغيرها، وهذا كافٍ – بنظرهم – لإثبات أنّ للقرآن مصادر يأخذ منها (أو يسرق على حد تعبير الكثير منهم)، وليس وحياً إلهياً فضلاً عن أن يكون معجزاً كما يعتقد المسلمون.

وطبعاً، زاد هذا الإشكال توسّعاً بعد المعطيات الأثرية التي وفّرتها عمليات التنقيب الآثاري في بلاد ما بين النهرين في مطلع القرن العشرين وما تلاه، فقد كشفت ألواح الطين لأقدم حضارة إنسانية “حضارة سومر” الكثير من الحقائق التي أدهشت علماء الآثار منها ما له تمام الصلة بالدين الإلهي وأنبياء الله وما رافقهم من أحداث مهمة حصلت معهم وفي زمنهم كقصة طوفان نوح (ع) مثلاً وغيرها الكثير، ولما كان هناك شبه واضح جداً بين بعض مضامينها وبين ما ورد لدى الأديان الإبراهيمية الثلاثة المتأخرة زماناً، وكان هناك حكم مسبق – اشترك فيه الكثير بما فيهم علماء دين – على وصف نتاج حضارة سومر بأنها مجرد أساطير وخرافات أرضية كانت النتيجة الحتمية لهكذا منطق معوّج هي اعتبار كل ما موجود في الأديان السماوية – بما في ذلك الكتب المقدسة ومنها القرآن الكريم – مجرد نتاج بشري أرضي لا غير، وهو ما يروّج له الملحدون والمشكّكون بقوة اليوم.

الجواب:
1- تقدّم أكثر من مرة – في أجوبة الإشكالات السابقة – بيان المنهج الصحيح للتعامل مع القرآن من جهة إثبات كونه كتاباً سماوياً، وهو إثبات صدق دعوة الآتي به والناطق به أي رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)، فإذا ثبت ذلك – وهو ثابت عقلاً ونقلاً – يثبت إلهية القرآن بالتبع حتماً.

ولا يضرّه – بعد إثبات كونه كتاباً إلهياً – أن تكون بعض مضامينه وقصصه مذكورة سابقاً في الكتب السماوية أو في معتقدات أتباع الأديان، أو لم تكن مذكورة أصلاً. بل ولا يضرّه – بعد إثبات كونه كتاباً إلهياً – اتهامه بأنه أساطير أمليت على رسول الله محمد (ص) “وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا” الفرقان: 5، فالمشككون اليوم ليسوا بأكثر من أنهم يكرّرون مقولة نظرائهم بالأمس.

2- ليس سرّاً احتواء القرآن على قصص وأحداث ومضامين عقائدية مذكورة في الكتب السابقة، بل القرآن نفسه صرّح بذلك مراراً في آياته، قال تعالى: “كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا” طه” 99. وسبب ذلك ببساطة هو أنّ دين الله سبحانه واحد ومنبع رسل الله واحد وهو الله سبحانه، قال تعالى: “إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا” النساء: 163 – 164، فالجهة التي أوحت القرآن إلى رسول الله (ص) هي نفسها التي أوحت التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب والصحف الإلهية إلى رسل سابقين، قال تعالى: “نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ” آل عمران: 3 – 4.

ولهذا، فإننا – كمسلمين – مأمورون بالإيمان بأنبياء الله وكتبه السابقة جميعاً: “قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” البقرة: 136.

من الطبيعي جداً – والحال هذه – أن نجد الشبه في كثير من المضامين بين القرآن وما سبقه من كتب إلهية سواء فيما يتصل بالعقيدة عموماً أو ما يتصل بالأنبياء السابقين وقصصهم وما جرى في زمنهم من أحداث مهمة؛ لأن العقيدة واحدة ولا تتبدّل من آدم (ع) وحتى آخر حجة إلهي على هذه الأرض، وبالتالي فذكر وحدانية الله وصفاته وخلفائه في أرضه “أنبياء، رسل، أئمة” وبعض القضايا المهمة التي حصلت في الأمم السابقة في القرآن أمر ضروري وأكيد بعد وحدة الدين الإلهي. وبالنسبة لخلفاء الله فهم – في الحقيقة – أصل الدين وأساسه (وللمزيد يمكن مراجعة كتاب “عقائد الإسلام” للسيد أحمد الحسن – بحث أصل الدين + بحث الرسالة)، ومن ثمَّ يكون تأكيد ذكرهم في القرآن أمر يقتضيه موقعهم في الدين الإلهي.

كذلك: فإنّ ما جرى عليهم وما فعله أقوامهم معهم يعد بمثابة تجارب عملية نافعة للأقوام والأمم اللاحقة وبالتحديد لمن ينشد الهدى والنجاة، إذ يمكنهم أخذ العبر منها والانتفاع من إيجابيات تلك التجارب واجتناب تكرار سلبياتها؛ خصوصاً وأنّ القرآن كتاب هدىً واستقامة وذكرى وموعظة.

وأكثر من هذا: فإنّنا نعتقد بأنّ الكتب والصحف الإلهية التي سبقت القرآن نزولاً ما هي إلا جزء من القرآن بحسب حقيقته العلوية، فعند الله سبحانه لا يوجد كتب عديدة وإنما هو كتاب إلهي واحد لكنه يظهر في هذا العالم – صياغة ولفظاً – بحسب حال الرسول الإلهي المتلقّي له ومقامه وإخلاصه.

يقول السيد أحمد الحسن: (والتوراة والإنجيل التي نزلت على موسى وعيسى (ع) ليست شيئاً آخر غير القرآن، بل هي أيضاً تجل وظهور للقرآن في هذا العالم الجسماني، والفرق بينها هو مقام القابل الذي أظهر القرآن في هذا العالم أي محمد وعيسى وموسى (عليهم السلام)، فبما أن محمداً (صلى الله عليه وآله) أعظم إخلاصاً وأعلى مقاماً؛ يكون ما أظهره أعظم وأعلى شأناً وأتم وأكمل مما يظهره موسى أو عيسى، وبهذا تكون التوراة والإنجيل عبارة عن أجزاء من القرآن، ويكون القرآن مهيمناً عليها ومحتويها، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48]. …….
………، والتوراة والإنجيل هي قرآن أو بعضه، مع أنها مختلفة في محتواها وألفاظها؛ لأنها توصل نفس الحقيقة، وإيصال الحقيقة يمكن أن يتم بألفاظ مختلفة، بل وحتى من خلال معان مختلفة أيضاً، فالمطلوب الأهم هو هذه الحقيقة وليس اللفظ بل ولا حتى المعنى) عقائد الإسلام – بحث القرآن.

وبهذا نخلص إلى أنّ وجود بعض الحقائق الدينية التي أشار لها القرآن في كتب قبله لا يعني أنها مصدر له – كما فهمه المشككون – بقدر ما يشير إلى وحدة الدين الإلهي ووحدة الكتاب الإلهي بالنحو الذي بيّناه.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...