الرئيسية / غير مصنف / 21- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

21- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(21)

إشكال 7: الإشكال على بعض مضامين القرآن من جهة مخالفتها لمعطيات العلم بنظر المشككين، فبعض الآيات تحتوي على أخطاء علمية بنظرهم، وهذا ينافي كونه كتاباً إلهياً معصوماً عن الاشتباه، كما يكشف عن أنه مجرد جهد بشري محض قابل للخطأ.

الجواب:

1- ابتداءً، نحن أمام توجّهين؛ توجّه يسعى روّاده إلى إثبات ما يسمونه بـ “إعجاز القرآن العلمي”، فتراهم يتوسلون أي شيء لإثبات مطابقة القرآن لنظرية علمية معينة، وبالضد منه توجّه المشككين الذين يرفضون مثل تلك المحاولات بالمطلق بل ويسخرون منها. ومن يطالع ما كتبه الطرفان “المؤيد والمنكر” يُخال له أنّه أمام كتاب يشكّل – في جزء كبير منه – موسوعة علمية طبيعية؛ طبية وأحيائية وجيولوجية وفيزيائية وغير ذلك، ومن ثم يريد المشكك محاكمته على ضوء ذلك.

والحقيقة، إنّ القرآن غير معني بهذا الطرف أو ذاك، فهو كما عرّف نفسه كتاب هداية وتذكرة واستقامة، قال تعالى:
– “كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ” الأعراف: 2.

– “إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا” الإسراء: 9.

واضح أنّ القرآن كتاب هدى وإنذار، وليس كتاباً معنياً بجمع نظريات الفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا ونحو ذلك، وهذا لا يعني أنّه لا يشير إطلاقاً لبعض الحقائق الكونية أو الطبيعية في آياته ضمناً، كإشارته أنّ للكون بداية وهو في توسع مستمر: “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ” الذاريات: 47، أو إشارته إلى أنّ الإنسان ثمرة عملية إنبات حصلت في هذه الأرض: “وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا” نوح: 17، ونحو ذلك مما ينسجم مع غرضه الرئيس في هداية الخلق إلى الله سبحانه، بل هو من دعا الناس للتأمل والتفكر في الآيات المبثوثة في الأنفس وفي الآفاق ليهتدوا بها ويعرفوا أنه سبحانه حق: “سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” فصلت: 53.

بلى، لا ضير في ذلك وحينئذٍ يكون هو السبّاق لكشف تلك الحقيقة الكونية، ثم لاحقاً يكتشف علماء الفيزياء الكونية أو الأحياء التطورية أنها حقيقة علمية ثابتة وصحيحة، وهذا الكشف وإن كان يُسهم بتعزيز صدق الناطق بالقرآن بطبيعة الحال، لكنه – على أي حال – لا يجعل من القرآن كتاباً لطرح النظريات العلمية، ولا أنّ القرآن بصدد إثبات أحقيته وإلهيته أو أحقية من جاء به ونطق به عند مباشرته بدعوته من هذه الجهة “أي جهة كونه كتاباً علمياً طبيعياً”، والحال أنّ بعض تفاصيل تلك الحقائق العلمية لم تتضح إلا بعد ما يزيد على الألف عام من بعثة الرسول (ص).

وإذا كان الطرفان المتخاصمان يبحثان عن سر إعجاز القرآن – الذي وقع التحدي به – فهو بحسب ما أوضحه السيد أحمد الحسن يكمن في تأثيره النفسي والروحي على المتدبر سواء كان قارئاً أو مستمعاً (انظر: علاء السالم، بحث إعجاز القرآن – ملحق أجوبة السيد أحمد الحسن في موضوع الإعجاز).

2- القرآن كتاب سماوي وحقيقته علوية موحاة من قبل الله إلى رسوله الكريم (ص) في هذا العالم، وبالتالي فله لغته ورمزيته الخاصة به التي تكشف عن تلك الحقائق الكامنة وراء ألفاظه، وهي – أي الحقائق – لما كانت من عالم أعلى فدور اللفظ أنه يشير لها بالإشارة المناسبة بطبيعة الحال، شأنه في ذلك شأن أي متكلم له لغته الخاصة به وطريقته في إيصال الحقيقة، ولهذا وضع الرسول (ص) “المظهر للقرآن والناطق به في هذا العالم” منهجاً متكاملاً للتعامل مع القرآن وبيانه وتفسيره وكشف حقائقه من خلال ضم العدل والترجمان الإلهي “حجة الله” إليه ليحقق القرآن – بعد ذلك – غرضه في هداية الخلق، وبيّن في نفس الوقت أنّ فيه ظاهراً وباطناً ومحكماً ومتشابهاً، محذّراً في الوقت نفسه عن تفسيره وبيانه بالرأي واعتماد المتشابه منه قبل إحكامه من قبله هو (ص) في حياته أو أحد أوصيائه بعد رحيله إلى الله.

الباحث في القرآن – بصرف النظر عن قصده – إن أراد أن يكون منصفاً وموضوعياً في بحثه ينبغي عليه عدم إغفال ذلك، ولا أقل أنّ القرآن نفسه كشف عن وجود المتشابه في آياته: “هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ” آل عمران: 7.

وبالتالي، فمن غير المنطقي أنّ قارئاً للقرآن يطعن في آية من آياته لمجرد أنّه لم يستطع فهمها أو لم يستوعب كيفية الجمع بينها وبين آية أخرى، أو أنّ ظاهرها يوحي بمخالفة معلومة ثابتة لديه…. إلخ، وكان يفترض به – إن كان باحثاً موضوعياً فعلاً – أن يبحث عن المؤهل لبيان القرآن “الإمام من آل محمد = عِدْل القرآن” وسؤاله عمّا تشابه عليه قبل الطعن والتشكيك فضلاً عن اعتبار طعنه وشكّه دليلاً على عدم إلهية القرآن!

ماذا بوسعنا أن نصِفَ مَنْ يطعن ويشكك بنظرية علمية معقدة مثلاً لمجرد عدم فهمه لها وقبل الرجوع إلى العالم المؤهل لبيانها بوجه صحيح غير أنه عابث ومتطفّل على البحث العلمي الرصين!

3- وتتميماً للفائدة، سأتناول الآن نماذج من طعونهم على القرآن – من جهة الإشكال محل البحث – ونرى قيمتها العلمية ومدى تأثيرها على كون القرآن الكريم كتاباً إلهياً منزلاً:
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...