الرئيسية / غير مصنف / 24- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

24- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(24)

• مثال 3: ويقول بعض المشكّكين عن الآية: “أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا” النبأ: 6 – 7، أنّ فيها خطأً علمياً؛ إذ كيف تكون الجبال أوتاداً للأرض وتمنع من حركتها واهتزازها والحال أنّ الأرض في حركة دائمة ومستمرة، إضافة إلى أنّ واقع الأرض يشهد بحصول الزلازل والهزات بكثرة دون أن تمنع الجبال حصول ذلك.

طبعاً، تفسير علماء المسلمين للآية “وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا” وتصويرهم الجبال أوتاداً – بل مسامير على حد وصف بعضهم (انظر: تفسير الميزان: 20/162) – للأرض بنحو تمنعها عن الحركة، ساهم بشكل كبير بنشوء الطعن المذكور، وكمثال لتفسيرهم (انظر: الطوسي، التبيان: 10/239؛ تفسير الرازي: 20/9)، فهم يطلقون لفظ “الأرض” بدون تفصيل وبيان، وبالتالي يُفهم من كلامهم أنّ الجبال أوتاد تمسك الأرض ككل وتمنعها عن الحركة. هذا، لكن الثابت علمياً أنّ الأرض تدور وتتحرك عدة حركات، منها:

1- حركة الأرض حول محورها، وتستغرق يوماً كاملاً تقريباً.
2- حركة الأرض حول الشمس، وتستغرق سنة كاملة.
3- حركة الأرض مع المجموعة الشمسية حول مركز المجرة، وتستغرق 225 مليون سنة. وغيرها من الحركات.

بحسب علماء الجيولوجيا، فإنّ الأرض تتألف من ثلاثة أجزاء رئيسية:
– النواة: مؤلفة من عنصري الحديد والنيكل المنصهرين بشكل تام بسبب شدة الحرارة.

– الستار: وهو الجزء الذي يفصل بين نواة الأرض وقشرتها، ويدخل عنصرا الحديد والمغنيسيوم في تكوينه بنسبة كبيرة، يبلغ سمكه 2,890 كم، وهو في حال حركة مستمرة، كما أنه السبب في حركة صفائح قشرة الأرض بسبب الضغط والحرارة الهائلة.

– القشرة: وهي الجزء الذي يمتد إلى عمق 75 كم عن سطح الأرض، يتألف من عدة صفائح ضخمة تتحرك باستمرار بمعدل قليل لا يتعدى 10 سم كحد أقصى سنوياً، مما يتسبّب بتكوّن الجبال وحدوث الزلازل والبراكين.

وهكذا يتضح أنّ باطن الأرض في حال حركة دائمة ومستمرة، وبالتالي لابد أن يتم بيان الآية “والجبال أوتاداً” بشكل ينسجم مع معطيات العلم الثابتة بالدليل.

أعود الآن لإجابة إشكال المشككين، فأقول: إنّ إشكالهم قائم أساساً على تفسير مغلوط للآية الكريمة، ولا يبقى لإشكالهم وجه إذا ما عرفنا بيان الآية بشكل صحيح من رجل مؤهل لبيان القرآن، وهذا تفسيرها وفق ما أجاب به السيد أحمد الحسن سؤالاً يتعلق بخلق السماوات والأرض وقد عرضت سابقاً مقطعاً منه، وأعرض الآن مقطعاً آخر له صلة ببحثنا، يقول:

(وقال تعالى: “وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ”.
“جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ”: وهي الجبال، وهي من ضمن اليوم الأول في العالم الجسماني، أي إنها “الجبال” تجلت فيها “في الأرض”، من فوقها “أي من السماء”، وإلا فإنّ الظاهر على سطح الأرض، أي فوقها من الجبال أقل بكثير من الغائر في باطن الأرض، فأكثر من ثلثي الجبل غائر في باطن الأرض، ولذا عبر عنها “رواسي”، أي هي سبب إرساء الأرض، فكأنها أوتاد للأرض تثبتها “وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً”، أي تثبت سطح الأرض وتمنعه عن الحركة مع حركة باطن الأرض المستمرة، قال تعالى: “وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ”، أي هي متحركة ولكنها مع حركة الأرض فتمنع سطح الأرض عن الاختلال والانفصال عن باطن الأرض، فتكون حركة الأرض متزنة) أحمد الحسن، المتشابهات – جواب سؤال 175.

واضح من كلامه أنّ الجبال ليست أوتاداً للأرض ككوكب كامل، ولا أنّ الجبال وتد لنواة الأرض أو ستارها أو قشرتها بسمكها كله، وإنما هي وتد لسطح الأرض فحسب، ومعنى كون الجبال وتداً لسطح الأرض أنها تسهم بعدم انفصال السطح عن باقي القشرة الأرضية وعدم اختلاله وتحرّكه مع حركة باطن الأرض المستمرة، بل وأثناء حركة الأرض برمتها بما في ذلك الجبال نفسها التي تتحرك بحركة الأرض، وبالتالي تكون حركة الأرض متزنة ويكون سطحها بالذات مؤهلاً لأن يحيا عليه الإنسان ويمارس حياته عليه بشكل طبيعي.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...