الرئيسية / غير مصنف / 25- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

25- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(25)

مثال 4: يقول بعض المشككين عن الآية: “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ” الرعد: 41، أنّ فيها خطأً علمياً؛ لأن الأرض كروية وبالتالي ليست لها أطراف تنقص منها، وهذا لا يكون إلا في حال كون الأرض مسطّحة!

الجواب: بالنسبة إلى كروية الأرض أمر ثابت علمياً ولا إشكال فيه، والآية 41 من سورة الرعد وكذلك الآية 44 من سورة الأنبياء “بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ” لم تخالفا هذه الحقيقة العلمية أصلاً.

طرف الأرض في الآيتين لا يتضح معناه بشكل دقيق ما لم تلحظ كل آية بصورة تامة وكاملة في سياق الثابت الديني (القرآني والروائي)، ومن ثمَّ ينبغي ملاحظة ما يلي:

1- معنى “الطَرَف” في اللغة: هو الجانب والناحية، وطرف الشيء: منتهاه. ولهذا فإنّ أغلب المفسّرين – ولأنّ منهجهم ظاهري لغوي – ذهبوا إلى تفسير “أطراف الأرض” في الآيتين بجانب الأرض ونواحيها.

2- مقولة “نقص الأرض من أطرافها” لا يعني بالضرورة أنّ الأرض “كجرم كروي” تنقص من حيث الحجم – كما فهم المشكّك – وإنما قد يعني نقصها من حيث عدد السكان أو حجم الثروات أو المياه… إلخ، تماماً كقول القائل: “نقص البلد الفلاني” فما لم يقم المتكلم نفسه بتوضيح وتحديد الجهة التي يعنيها بالنقص لا يكون مراده واضحاً، وبخصوص القرآن فمن نطق به – أي الرسول محمد (ص) – أو من يقوم مقامه هو المتكفّل لذلك.

3- نقص الأرض من حيث عدد الأنفس هو المقصود في سورة الرعد حيث كان الحديث في الآية التي قبلها عن وفاة النبي (ص) ثم بيّنت الآية اللاحقة نقص الأرض: “وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا …”، وبالتالي فالقارئ للآيتين يعرف أنّ المراد بالنقص هو النقص بعدد الأنفس، وكذلك آية سورة الأنبياء. وإذا عرفنا جهة النقص للأرض في الآية فالسؤال: كيف يحصل نقص الأرض من حيث عدد الأنفس؟ الجواب بالتأكيد بزيادة عدد الوفيات، كما أنّ زيادة الأرض من هذه الجهة يكون بزيادة عدد الولادات. لكن من الواضح أنّ نقص الأرض بهذا الاعتبار – أي بزيادة عدد الوفيات – لا يختص بجانب الأرض ومنتهاها بدليل أنّ الوفيات يمكن أن تحصل في كل مكان بل هذا هو الواقع، وبالتالي لا يصح أن يكون المراد بأطراف الأرض في الآيتين هو جانب الأرض وناحيتها كبقعة أرضية كما فهم المفسّرون والمشكّكون على حد سواء.

4- تفسير الولادة – التي تحصل بها زيادة الأرض – بمعنى إضافة جسد إنسان جديد “لا غير” لا يحقق زيادة حقيقية للأرض، كما أنّ تفسير الوفاة بمعنى توقف أعضاء الإنسان عن العمل “لا غير” لا يحقق نقصاً حقيقياً للأرض؛ لأن الأجساد ما هي إلا مركبات كيميائية من عناصر الأرض نفسها، فمنها تألف الجسد وإليها يعود بتحلله بعد الموت. الولادة التي تسبّب زيادة حقيقية للأرض والوفاة التي تسبّب نقصاً حقيقياً للأرض هي زيادة الأنفس “النطف النفسية” في الأرض أو رفعها منها، فكل إنسان يلد في هذا العالم لديه نطفة نفسية خاصة به نزلت من عالم الأنفس، ونطفته النفسية لما ارتبطت بجسده منحته الحياة، وما يحصل بالموت هو أنّ هذه النطفة النفسية تخرج منه وترتفع لتعود إلى عالمها “عالم الأنفس” الذي نزلت منه، وعالم الأجسام الذي نحن فيه وعالم الأنفس عالمان متشابكان وقريبان من بعض كقرب الإنسان إلى نفسه، وبينهما علاقة تدبير بمعنى أنّ نفس الإنسان هي التي تدبّر جسده وتدير شؤونه.

5- الأرض بهذا المعنى أي بمعنى الدار التي هبطت فيها النطف النفسية لبني الإنسان جميعهم بالتأكيد لها منتهى وأول وآخر يلتقي عنده أطرافها فلا وارد لهذه الدار ولا خارج منها إلا من خلاله، فيكون اتصال هذه الدار بالعوالم العليا بواسطته، فهو – والحال هذه – سبباً في إفاضة الخير والوجود كما أنّ عدم وجوده يعني عدم وجود هذه الدار برمّتها. ولا جهة صرّح النص الديني (القرآني والروائي) لها مثل هذه الخاصية والمنزلة غير حجج الله الذين لولاهم لساخت الأرض بأهلها كما ورد في روايات عديدة، والقرآن أيضاً أكد هذه الحقيقة، قال تعالى: ” تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ” القدر: 4، الملائكة والروح تتنزل بكل أمر يحتاج إليه الخلق في هذا العالم على حجة الله، وهو رسول الله (ص) في حياته ومن يقوم مقامه بعد وفاته، فالتنزل مستمر بكل ما يحتاج إليه الخلق بصريح الآية. ولما كان حجج الله هم سبب إفاضة الخير والنور لهذا العالم فكل واحد منهم يصدق عليه أنه “أطراف الأرض” في الآيتين، ولهذا كان الإمام زين العابدين (ع) يقول: (إنه يسخي نفسي في سرعة الموت والقتل فينا قول الله: “أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها” وهو ذهاب العلماء) الكليني، الكافي: 1/38، يقصد العلماء الربانيين أي آل محمد (ص).

وعلى هذا الأساس لما سئل السيد أحمد الحسن عن معنى الآيتين محل البحث، أجاب:
(الأرض تزداد بنزول النطف إليها وتنقص بارتفاع النطف منها، وتحصل هذه الزيادة والنقصان بدخول إنسان جديد إلى هذا العالم الجسماني، أو بخروج إنسان من هذا العالم الجسماني بالموت. والمذكور في الآيات هو نقص الأرض أي بخروج النطف منها بسبب الموت.
أما أطراف الأرض فهم الحجج (ع) من الأنبياء والمرسلين والأئمة (ع)، فطرف الشيء نهايته وآخره أو بدايته وأوله، وفي طرف الأرض الحجة (ع) على أهل الأرض؛ لأنه سبب الفيض النازل من السماء إلى الأرض، فموضع اتصال هذا الفيض هو أطراف الأرض، وذلك أنّ هذا الفيض هو نور يتجلى في الأرض من الطرف إلى الطرف، ولولاه لساخت الأرض بأهلها ولعادت عدماً. فالحجة هو أطراف الأرض وهو البداية والنهاية، وهو الأول والآخر، فبموت الحجة (ع) تنقص الأرض من أطرافها، ولولا وجود من يخلفه حجة لله في أرضه لساخت الأرض بأهلها، إذا خلت من موضع لنزول فيض الله ونور الله سبحانه وتعالى إلى الأرض:
“وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ”. “بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ”.
وفي كلتي الآيتين تذكير بالموت والرجوع إلى الله الذي لابد منه، فإذا كان موت الحجج (ع) ووفاتهم أمراً حتمياً، فموت من سواهم من الناس الغافلين عن ذكر الله أولى وأحجى، “وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ”) أحمد الحسن، المتشابهات – جواب سؤال 104.

أضف إلى ذلك: إنّ الآيتين لم يخالفا القول بكروية الأرض حتى وإن فسّر الطرف فيهما بالجانب كبقعة أرضية، فالقول بأنّ الجسم الكروي لا طرف له مطلقاً غير صحيح؛ إذ يمكن أن يكون له طرف نسبي بمعنى أنه طرف نسبة إلى أمر قياسي ما، وفي حالة الأرض فالمعروف أنها تُقسّم بحسب خطوط الطول ودوائر العرض إلى نصفين شرقي وغربي ونصفين شمالي وجنوبي، فمثلاً: خط غرينتش (صفر) الذي يقسّم الأرض إلى نصف شرقي على يمين الخط ابتداء بخط رقم 1 إلى خط رقم 180، ونصف غربي على يسار خط غرينتش يبتدئ برقم 1 حتى خط رقم 180، وبالتالي فمن يكون على خط رقم (90) مثلاً وما قاربه يعتبر طرفاً لمن يقف على خط المنتصف (صفر). وعموماً، طرف الأرض في هكذا حالة يكون أمراً نسبياً بحسب حال المقيس عليه.

وبهذا نكون قد خلصنا إلى أنّ الآيتين لم تخالفا حقيقة علمية مطلقاً، أما أنّ المشكك لا يريد الاعتقاد بما بيّنه صاحب القرآن في تفسير الآيتين ويصرّ على التشكيك بعالم الأنفس أو بمنزلة حجة الله ومقامه الإلهي، فهذا شأنه لكنه لا يغيّر من الحقيقة شيئاً أبداً، ولا أقل لم يعد من حقه التشكيك بالقرآن من جهة مخالفة الآيتين لحقيقة كروية الأرض والحال أنهما تقصدان شيئاً آخر لا علاقة له نهائياً بما توهّمه.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...