الرئيسية / غير مصنف / 28- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

28- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(28)

إشكال 8: الإشكال على بعض مضامين القرآن من جهة مخالفتها لحقائق تاريخية بنظر المشككين، وهذا يؤثر على كونه كتاباً إلهياً معصوماً عن الاشتباه.

الجواب: إنّ أي قضية تاريخية لا يخلو الحكم بصحتها من اعتماد أحد طريقين؛ الأول: وجود المستند التاريخي الصحيح، الثاني: إخبار من ثبت صدقه “حجة الله” أو “كتاب الله”، وأكيد أنّ الطريق الثاني أقوى؛ باعتبار أنّ التاريخ قد تطاله يد التحريف، ولا أقل أنّ المستندات التاريخية لم تذكر كل شيء.

على هذا، فإنّ المنهج العلمي الصحيح للتأكد من أحقية القرآن الكريم هو إثبات أحقية المظهر له والناطق به أي رسول الله محمد (ص)، وإذا ثبت ذلك – وهو ثابت عقلاً ونقلاً – فيثبت بتبعه أحقية القرآن وصدقه.

وعموماً، سنستعرض بعض إشكالاتهم التاريخية على القرآن، وسيتضح بعد عرضها أنها مجرد أوهام وسوء فهم لمراد القرآن الكريم لا أكثر.

مثال 1: يقول القرآن أنّ “آزر” هو اسم والد إبراهيم: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ” الأنعام: 74، لكن التاريخ ينقل أنّ اسمه هو تارح.

الجواب: آزر هو جد إبراهيم (ع) لأمه، وما ورد في القرآن والروايات من أنّ آزر أبو إبراهيم أو أنّ إبراهيم ابنه فمعناه أنه ابن بنته، إذ كان تحت كفالته ورعايته، والجد سواء كان للأب أو للأم يطلق عليه أب، وقد ورد مثل هذا الاستعمال في القرآن نفسه، قال تعالى عن إبراهيم: “وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ” الأنعام: 84 – 85، فجعل عيسى (ع) من ذرية إبراهيم ومن جملة أبنائه مع أنه جدّه من جهة الأم “مريم”.

يقول السيد أحمد الحسن: (اسم والد إبراهيم عليه السلام هو تارح وليس آزر، وتسمية الجد للأم بالأب أمر طبيعي؛ …) الجواب المنير عبر الأثير: ج7 – جواب سؤال 654.

قال الطبرسي: (قال أصحابنا: إن آزر كان اسم جد إبراهيم لأمه) تفسير جوامع الجامع: 1/584، ولسنا معنيين بالأقوال الأخرى التي ذكرها المفسرون كقول بعضهم إن “آزر، تارح” كلاهما اسمان لوالد إبراهيم (ع) ونحو ذلك.
وبهذا يتضح أنّ القرآن لم يخالف حقيقة تاريخية أصلاً.

مثال 2: يقول القرآن عن مريم (ع) بأنها “أخت هارون” مع أنّ هارون سابق عليها بفترة زمنية طويلة تزيد على الألف سنة، “يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّ” مريم: 28.

الجواب: ابتداء، لسنا معنيين بأقوال علماء المسلمين الذين اختلفوا في بيان “هارون” المذكور في الآية، وكونه أخا موسى (ع) ذكروه من ضمن عدة أقوال، منها: إنّ هارون هذا كان رجلاً فاسقاً وهم لما كانوا يعتبرون فعل مريم (ع) منكراً بنظرهم شبّهوها به، ومنها: إنّ هارون كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل فشبّهوها به، ومنها: إنّ هارون كان أخا مريم (ع) لأمها فعلاً أو أمها وأبيها. (انظر: الطوسي، التبيان: 7/122؛ المرتضى، الأمالي: 4/105 – 106؛ المجلسي، بحار الأنوار: 14/227؛ الطبري، جامع البيان: 16/97 فما بعد؛ المباركفوري، تحفة الأحوذي: 8/477؛ وغيرهم).

لا شك أنّ “هارون” المذكور في الآية هو هارون أخو موسى (ع)، ولم يثبت تاريخياً أنّ مريم (ع) عندها أخ لأمها أو لأبيها وأمها بهذا الاسم، وأما سبب مخاطبتها بـ “أخت هارون” فقد أوضحه السيد أحمد الحسن، فقال:

(مرادهم تشبيهها بمريم أخت موسى عليه السلام وهارون عليه السلام حيث إنّ مريم أخت هارون صالحة ومقدسة عندهم. وأمّا لماذا قالوا أخت هارون ولم يقولوا أخت موسى عليه السلام؛ وذلك لأنّ هارون الأكبر فتنسب له، وقد ذكرت مريم أخت هارون وموسى عليهما السلام في القرآن قال تعالى: “وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ” القصص: 11-12، كانت السبب في عودة موسى لأمّه، وكانت مريم مؤمنة بموسى عليه السلام وشجاعة، نصرته وهاجرت معه وتحملت الكثير من الأذى من بني إسرائيل في التيه مع موسى عليه السلام وهارون عليه السلام وماتت في التيه قبل هارون عليه السلام، وهي أكبر من موسى وهارون عليهما السلام) الجواب المنير عبر الأثير: ج7 – جواب سؤال 652.

وكون أخت موسى (ع) اسمها “مريم” أمر معروف لدى الكثير. (انظر على سبيل المثال: المشهدي، كنز الدقائق: 10/41؛ علي الحائري، مقتنيات الدرر: 8/123؛ عبد الله شبر، تفسير شبر: شرح ص371؛ ابن أبي حاتم، تفسير القرآن العظيم: 13/802؛ ابن حجر، فتح الباري: 6/305؛ العيني، عمدة القاري: 15/289؛ وغيرهم).

يقول الشيخ علي النمازي: (في 3866 “من هبوط آدم” توفيت مريم أخت موسى زوجة كاليب بن يوفنا أو يوحنا. وتوفي هارون، وله 122 عاماً) مستدرك سفينة البحار: 5/195.

فظهر بما تقدم أنّ القرآن لم يخالف حقيقة تاريخية أيضاً.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...