الرئيسية / غير مصنف / 33- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

33- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(33)

• مثال 7: يزعم المشككون أنّ القرآن وقع في خطأ تاريخي لما نسب فعل قام به “جدعون” إلى “شاؤول = طالوت”، وهذا ينافي كونه كتاباً إلهياً.

الجواب: ابتداء، لنقرأ ما ذكره القرآن الكريم عن طالوت:
قال تعالى: “وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ” البقرة: 247 – 252.

بقول السيد أحمد الحسن: (النبي هو نبي الله صموئيل “إسماعيل” من ذرية يعقوب (ع)، أما صفته وحاله؛ فهو مقارب لحالة إسماعيل بن نبي الله إبراهيم (ع)، حيث كانت أمه حنّة عقيماً أيضاً كمثل سارة (ع) زوجة نبي الله إبراهيم (ع)، وقد نذرته لله سبحانه، وكان يخدم في بيت الله كمثل مريم (عليها السلام)، وقد بعثه الله نبياً لبني إسرائيل، وكان في زمانه بنو إسرائيل متمردين على أمر الله سبحانه، وفي آخر أيام حياته عادوا وتابوا وظهر فيهم جيل صالح، وطلبوا منه أن يُعيِّن عليهم ملكاً ليقاتلوا تحت رايته، فعيَّن طالوت بأمر الله سبحانه وتعالى، وكان طالوت يأتمر بأمر نبي الله إسماعيل (ع)، وبعد أن انتصر طالوت وجيشه على جالوت وجيشه أمر الله نبي الله إسماعيل (ع) أن يُعيِّن خليفته من بعده داود (ع)، الذي كان جندياً في جيش طالوت. أما لماذا لم يكن نبي الله إسماعيل (ع) هو الملك، فهو كان نبياً وخليفة الله في أرضه وهو الملك المنصب من الله، ولكنهم أرادوا ملكاً يقاتلون تحت رايته ويقاتل معهم، لأنهم في ذلك الزمان كان الملك لابد أن يخرج بالجيش ويقاتل بنفسه، في حين أن نبي الله إسماعيل (ع) كان شيخاً كبيراً في السن وفي آخر أيام حياته، ولهذا فهم طلبوا منه هو (ع) أن يعين عليهم ملكاً له القدرة على القتال) الجواب المنير عبر الأثير: جواب سؤال 426.

وأما قصة تنصيب “شاول = طالوت” في سفر صموئيل فهي هذه:
في الإصحاح 8: “… 10 فكلم صموئيل الشعب الذين طلبوا منه ملكا بجميع كلام الرب. 11 وقال: هذا يكون قضاء الملك الذي يملك عليكم…… 19 فأبى الشعب أن يسمعوا لصوت صموئيل، وقالوا: لا بل يكون علينا ملك”.
وفي الاصحاح 9: ” 1 وكان رجل من بنيامين اسمه قيس بن أبيئيل بن صرور بن بكورة بن أفيح، ابن رجل بنياميني جبار بأس. 2 وكان له ابن اسمه شاول، شاب وحسن، ولم يكن رجل في بني إسرائيل أحسن منه. من كتفه فما فوق كان أطول من كل الشعب…….. 17 فلما رأى صموئيل شاول أجابه الرب: هوذا الرجل الذي كلمتك عنه. هذا يضبط شعبي”.

وفي الاصحاح 10: “1 فأخذ صموئيل قنينة الدهن وصب على رأسه وقبله وقال: أليس لأن الرب قد مسحك على ميراثه رئيسا…. 5 بعد ذلك تأتي إلى جبعة الله حيث أنصاب الفلسطينيين. ويكون عند مجيئك إلى هناك إلى المدينة أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من المرتفعة وأمامهم رباب ودف وناي وعود وهم يتنبأون. 6 فيحل عليك روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر. 7 وإذا أتت هذه الآيات عليك، فافعل ما وجدته يدك، لأن الله معك … 9 وكان عندما أدار كتفه لكي يذهب من عند صموئيل أن الله أعطاه قلبا آخر، وأتت جميع هذه الآيات في ذلك اليوم”.

وعن إحدى معاركه ورد في الاصحاح 16: “1 وجمع الفلسطينيون جيوشهم للحرب، فاجتمعوا في سوكوه التي ليهوذا، ونزلوا بين سوكوه وعزيقة في أفس دميم. 2 واجتمع شاول ورجال إسرائيل ونزلوا في وادي البطم، واصطفوا للحرب للقاء الفلسطينيين. 3 وكان الفلسطينيون وقوفا على جبل من هنا، وإسرائيل وقوفا على جبل من هناك، والوادي بينهم. 4 فخرج رجل مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه جليات، من جت، طوله ست أذرع وشبر….. 8 فوقف ونادى صفوف إسرائيل وقال لهم: لماذا تخرجون لتصطفوا للحرب؟ أما أنا الفلسطيني، وأنتم عبيد لشاول؟ اختاروا لأنفسكم رجلا ولينزل إلي. ………….. 24 وجميع رجال إسرائيل لما رأوا الرجل هربوا منه وخافوا جدا………… 41 وذهب الفلسطيني ذاهبا واقترب إلى داود والرجل حامل الترس أمامه……. 50 فتمكن داود من الفلسطيني بالمقلاع والحجر، وضرب الفلسطيني وقتله. ولم يكن سيف بيد داود”.

ونحن إذا قارنّا بين القصتين بحسب رواية القرآن وسفر صموئيل لوجدنا الانطباق بينهما واضحاً في أغلب التفاصيل، منها:
  1. اسم النبي إسماعيل، وهو الذي نصّب طالوت ملكاً وقائداً عسكرياً على بني إسرائيل بأمر الله سبحانه.
  2. اعتراض بني إسرائيل بادئ الأمر، لكن النبي أوضح لهم أنّ الله اختاره.
  3. تمتع طالوت بصفات جسدية ومعنوية استثنائية.
  4. وجود آية إلهية تكشف عن ملكه وتنصيبه الإلهي.
  5. لم يكن جيشه بمستوى إيماني واحد، لذلك أدخلهم طالوت في عدة اختبارات، وهذا واضح لمن راجع سفر صموئيل.
  6. وجود شخصية باسم جالوت في صفوف الطرف الآخر.
  7. تردد جيش طالوت وخوفهم من منازلة جالوت وجنوده.
  8. اشتراك داود (ع) في المعركة، وكان السبب في قتل جالوت وانهزام جيشه.
وبعد كل أوجه التطابق هذه، لا يسع أي منصف اتهام القرآن بمخالفة حقيقة تاريخية – كان القرآن صادقاً حتى في بيان تفاصيلها – لمجرد أنّ حادثة ما “في حالتنا: اختبار طالوت لجيشه بالشرب من النهر بالذات” لم تذكر في كتب سابقة ونسب مثلها إلى شخص آخر هو جدعون بن يواش!

وجدعون كان قائداً إسرائيلياً قاد معارك تحرير بني إسرائيل من سطوة أهل مدين، وكان زمنه قبل طالوت بما يزيد على قرنين من الزمان.
ورد في سفر القضاة – الإصحاح 7: “5 فنزل بالشعب إلى الماء وقال الرب لجدعون كل من يلغ بلسانه من الماء كما يلغ الكلب فأوقفه وحده وكذا كل من جثا على ركبتيه للشرب. 6 وكان عدد الذين ولغوا بيدهم إلى فمهم ثلاث مئة رجل وأما باقي الشعب جميعا فجثوا على ركبهم لشرب الماء. 7 فقال الرب لجدعون بالثلاث مئة الرجل الذين ولغوا اخلصكم وادفع المديانيين ليدك وأما سائر الشعب فليذهبوا كل واحد إلى مكانه”.

لا شك أنّ القرآن – في آياته المتقدمة – لا يقصد جدعون من قريب أو بعيد؛ وإنما قصد طالوت الذي نصّبه نبي الله إسماعيل (ع) بأمر الله، طالوت الذي عانى صلوات الله عليه من تردد الكثير ممن كانوا يحسبون على جيشه وانهزام الكثير منهم وتلكؤهم في القتال تحت رايته حتى تمكّن أصغر فرد في جيشه وهو داود (ع) من قتل الطاغية المتجبّر جالوت بسبب إخلاصه ويقينه بالله ونصره للمؤمنين الموقنين.

أما عدم تصريح الكتب التي سبقت القرآن – كسفر صموئيل – باختبار النهر بالذات، فهذا لا يؤثر على صدق القرآن في مقولته؛ لأن سفر صموئيل لا يعني الحقيقة كلها، كما أنه – وكذا سفر القضاة – سفران تاريخيان بمعنى أنهما يتضمنان – في الأعم – سرداً لأحداث تاريخية حصلت، والقضايا التاريخية تطالها اليد غالباً بقصد وبغير قصد، خصوصاً في مثل حالة اليهود الذين نص القرآن على أنهم يحرّفون الكلم عن مواضعه. والأهم من ذلك كله: إنّ مقياس أحقية القرآن وصدق قصصه – كما سبق بيانه – يتم بالنظر في دليل المظهر له في هذا العالم، وليس بمحاكمته بتفاصيل قضايا مضى عليها قرون عديدة ودوّنت تفاصيلها في وقت متأخر عن زمن النص ووجود خليفة الله المعصوم “الناطق بها” ولم تُكتب تحت إشرافه أصلاً.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...