الرئيسية / غير مصنف / 34- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

34- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(34)

مثال 8: بعض المشككين يشكل على الآيات التي حكت لقاء موسى (ع) بالعبد الصالح وهو إيليا بحسب بعض المفسرين المسلمين، وأين موسى (ع) الذي عاش في مصر في الألف الثاني قبل الميلاد من إيليا (ع) الذي كان موجوداً في فلسطين في أواخر الألف الأول قبل الميلاد؟

الجواب: قلت مراراً أنّ القرآن الكريم لا يؤاخذ بأقوال المفسرين، فهوية العبد الصالح الذي التقاه موسى ووصيه يوشع بن نون لم يصرّح القرآن بأنّ اسمه إيليا ليعترض المشكك على القرآن بمخالفته حقيقة تاريخية!

مفسّرو القرآن اختلفوا في تحديد هوية العبد الصالح الذي حكت قصّته آيات من سورة الكهف بين من يقول: إنه الخضر واسمه يليا بن ملكان، وآخر يقول: إنه اليسع، وثالث يقول: إنه إلياس.

واختلفوا أيضاً في مقام العبد الصالح، وهل كان نبياً أم لا؟ فقال بعضهم: إنه ليس بنبي، وقال آخر: لا يجوز إلا أن يكون نبياً وإلا فكيف يجوز لنبي من أولي العزم وهو موسى (ع) أن يتعلم منه؟ وقال ثالث: إنه ملك من الملائكة أو ابن ملك زاهد في الدنيا.

اختلفوا كذلك في العلم الذي كان لدى كل منهما “موسى والعبد الصالح (ع)” فقال بعض: إنّ ما كان عند موسى (ع) هو علم الظاهر وما كان عند العبد الصالح هو علم الباطن، وقال آخر: ما كان عند العبد الصالح هو علم لا يتعلق بالأداء عن الله إلى الناس وما كان عند موسى هو العلم الذي يؤديه من قبل الله تعالى، ………. وهكذا في أغلب المسائل التي تخص هذا اللقاء.

(أنظر على سبيل المثال: الطوسي، التبيان: 7/70؛ الطبرسي، مجمع البيان: 6/367؛ البغوي، معالم التنزيل: 3/172 – 173؛ الرازي، تفسير الرازي: 21/148؛ البيضاوي، تفسير البيضاوي: 3/510؛ وغيرهم).

القرآن من جهته غير معني – كما بيّنت – بهذه الاختلافات إطلاقاً، ولا يؤاخذ على ما يترتب على أقوال المفسرين وغيرهم من مؤاخذات، وهم أولى بتحمل تبعات أقوالهم. نعم، القرآن معني ببيان وتفسير عدله وصاحبه (أعنى الإمام من آل محمد صلوات الله عليهم).

أما من يريد أن يتعرّف على هوية العبد الصالح، ويتعرّف أيضاً على العلم الذي تعلّمه موسى (ع) منه، وكذلك معرفة العبر والدروس التي يمكن أن تستقى من هذا اللقاء الربّاني، فيمكنه الاطلاع على كتاب “رحلة موسى إلى مجمع البحرين” للسيد أحمد الحسن على هذا الرابط (في التعليقات).

مثال 9: يحسب بعض المشككين، فإنّ المحاججة التي حصلت بين نبي الله إبراهيم (ع) وبين نمرود التي يحكيها قوله تعالى: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ المُلْكَ إِذْ قَالَ إِبَرَاهِيمُ رَبِّيَ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ” البقرة: 258، أنها خطأ تاريخياً بزعم أنّ نمرود سابق لإبراهيم بثلاثمائة سنة، فبين إبراهيم ونوح اثنا عشر جيلاً (لوقا 3: 34-36)، وبين نمرود ونوح أربعة أجيال (تكوين 10: 1).

الجواب: بالنسبة لنا، فنحن نعتقد بأنّ الذي حاجج إبراهيم في ربه هو نمرود؛ لورود الروايات التي بيّن فيها خلفاء الله هذه الحقيقة، منها على سبيل المثال: ما رواه علي بن إبراهيم: (“ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتيه الله الملك” الآية، فإنه لما ألقى نمرود إبراهيم في النار وجعلها الله عليه بردا وسلاما قال نمرود: يا إبراهيم من ربك؟ قال: “ربي الذي يحيي ويميت” قال له نمرود: “أنا أحيي وأميت” فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ قال: أعمد إلى رجلين ممن قد وجب عليهما القتل فأطلق عن واحد، وأقتل واحدا، فأكون قد أمت وأحييت، فقال إبراهيم: إن كنت صادقا فأحي الذي قتلته، ثم قال إبراهيم: دع هذا فإن ربي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فكان كما قال الله: “فبهت الذي كفر” أي انقطع وذلك أنه علم أن الشمس أقدم منه) القمي، تفسير القمي: 1/86.

المشكك من جهته ليس عنده مستند تاريخي قطعي ينفي وجود نمرود في زمان نبي الله إبراهيم (ع)، وأقصى ما لديه هو إشارة وردت في نصوص دينية سابقة على القران أوضحت أنّ عدد الأجيال بين نمرود وبين نبي الله نوح (ع) أربعة، وعموماً إذا كان إثبات ونفي حقيقة مختلف فيها يستند إلى نصوص دينية، فنحن نعتقد أنّ القرآن نص ديني أيضاً، ولا مرجّح عقلي قطعي يقضي بتقديم آية سفر التكوين على ما بيّنه القرآن الكريم في الآية من سورة البقرة، خصوصاً وأنّ القرآن نفسه صرّح بورود التحريف في الكتب التي سبقته؛ لأنها أساساً لم تدوّن بإشراف خليفة إلهي معصوم، وبالتالي تبقى أحقية القرآن مرهونة بإثبات صدق الآتي به كما أسلفت ذلك مراراً في الأجوبة السابقة.

سأكتفي بذكر هذه النماذج مما يظنّه المشككون مخالفات تاريخية، وقد اتضح لنا أنها ليست كذلك، وحال بقية ما ذكروه يتضح جوابه مما سبق، كما أنّ قيمته العلمية ليست بأكثر ممّا تم ذكره.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...