الرئيسية / غير مصنف / 36- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

36- دفاعاً عن القرآن والناطق به محمد (ص) – د. علاء السالم

(36)

مثال 2: يعتقد بعض المشككين أنّ بين قوله تعالى: “إنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَالا تَعْلَمُونَ” الأعراف: 28، وقوله تعالى: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً” الإسراء: 16، تناقض إذ كيف لا يأمر الله بالفحشاء وهو الذي أمر مترفي القرية بالفسق؟

الجواب: واضح لمن راجع تعاليم القرآن الكريم والدين الإلهي عموماً يجد أنّ الله سبحانه ينهى عن جميع الفواحش ولا يأمر بها تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ومعنى الأمر هنا هو الطلب الإلزامي، فعدم أمره بالفواحش يعني عدم طلبها من العبد لزوماً أي لزوم تركها وعدم الإتيان بها من قبل العبد. أما معنى الأمر “أمر المترفين” في آية سورة الإسراء فهو يتضح من معرفة صفة الإرادة التي يتصف بها الله سبحانه وبيان كيفية تعلّقها بأفعال العباد.

عقائدياً، الله سبحانه يتصف بصفة الإرادة، وهي إحدى صفاته الذاتية، كما أنها المخصص لإيجاد الأشياء من عدمها، وهي كذلك المخصص للأمر والنهي، فهو سبحانه مريد لما أوجد ولما أمر به، وغير مريد لما لم يوجد ولما نهى عنه. هذا بالنسبة لتعلق الإرادة بفعله، أما بالنسبة لتعلقها بأفعال العباد فإرادته لبعض أفعالهم وعدم إرادته للبعض الآخر تكون من خلال أمره ونهيه، فما يريده منهم يأمرهم به وما لا يريده ينهاهم عنه.

يقول السيد أحمد الحسن: (تعلق الإرادة الإلهية بالإنسان وأفعاله:
أولاً: الله مريد للإنسان، لهذا خلقه وأعطاه الحول والقوة.
ثانياً: الله مريد لبعض أفعال الإنسان التي مكنّه الله من فعلها لهذا أمره بها، وغير مريد لبعض أفعاله التي مكنّه الله من فعلها أيضاً لهذا نهاه عنها.
ثالثاً: وقوع أفعال العباد في الخارج لا تعني أنه سبحانه مريد لها، بل غاية ما في الأمر أنه أمضاها؛ لأن العباد يوقعونها في الخارج بحول وقوة خولّها الله لهم ولكن بإرادتهم هم وإنْ كانت بالضد من إرادة الله سبحانه؛ حيث إنهم مخيّرون وفي عالم امتحان.
فهو سبحانه يمضي “أو لا يمضي” ما يريد وما لا يريد من أفعال عباده وفق قانون وسنة إلهية كونية عامة. ولكن إمضاءه سبحانه لما لا يريد من أفعال العبد وفقاً لإرادة العبد لا يعني أنه قد فوّض الأمور للعبد؛ لأن الله سبحانه قد وضع قانوناً تكوينياً عاماً، ويمكن أنْ يفعل الإنسان ما يريد من خير وشر ضمن هذا القانون دون أنْ يمنعه الله، إلا إنْ اقتضت الحكمة خرق هذا القانون ومنعه “كما في المعجزة”) السيد أحمد الحسن، عقائد الإسلام – بحث الإرادة والجبر والتفويض.

إذا اتضح هذا، فما يأمر به الله تشريعاً “يطلبه لزوماً من العباد” هو الخير والطاعة لا غير، وما ينهاهم عنه هو الشر والمعصية والفواحش عموماً، لكن هذا لا يعني أنه يجبرهم على الفعل والترك، وإنما أراد منهم فعل الطاعة وترك المعصية باختيارهم ليستحقوا الثواب، كما أنهم يكونون مستحقين للعقاب لو اختاروا فعل المعاصي والفواحش، وبالتالي فالقرية التي يختار أهلها فعل المعاصي والفواحش فهي بهذا تهيئ لنفسها أسباب العقاب والهلاك وتستعجل وقوعه، وأحد أسباب الهلاك أن يتسلّط عليها أكابرها المترفين الذين لا يتورّعون عن ارتكاب الفجور والفسوق.

عن الإمام الباقر (ع) في قول الله: “وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها” مشددة منصوبة “أي أمّرنا”، قال: (تفسيرها: كثرنا)، وعنه (ع) أيضاً قال: (تفسيرها أمرنا أكابرها) العياشي، تفسير العياشي: 2/284.

وأيضاً: عن علي بن إبراهيم في قوله: “وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها” قال: (أي كثرنا جبابرتها) القمي، تفسير القمي: 2/17.

بهذا يتضح أنّ الأمر في الآية الثانية ليس بمعنى الطلب اللزومي ليقال إنّ الله (وحاشاه) يأمر بالفسق، وإنما بمعنى أنه سبحانه أمضى ما اختاره أهل القرية من فعل المعاصي والمنكرات التي فعلوها باختيارهم وإرادتهم وبحول الله وقوته التي منحهم إياها، وهو سبحانه نهاهم عن فعلها وحذّرهم من عاقبة ذلك، لكنه في نفس الوقت لم يجبرهم على تركها كما لم يجبرهم على فعلها؛ لأن ذلك ينافي الامتحان كما هو واضح، وبهذا تركهم ينالوا جزاءهم الذي استحقوه نتيجة أفعالهم التي فعلوها باختيارهم، ولأن سوء أفعالهم – وفق القانون الكوني العام الموضوع من قبل الله – تستدعي تسلّط الجبارة عليهم يكون أهل القرية – والحال هذه – السبب بتسلط الجبابرة عليهم وبالنتيجة هلاكهم ودمارهم وخسارتهم في الدنيا والآخرة، والله سبحانه أمضى اختيارهم في دنيا الامتحان لا أكثر.

ونحن إذا عرفنا ما تقدم نكون في غنىً عمّا تكلّفه بعض علماء المسلمين في الآية الثانية، إذ قدّر الكثير منهم محذوفاً في الآية وهو لفظ “الطاعة” فيكون معنى الآية: “أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا فيها …”، ولا أدري كيف يصح الحذف في موضع شبهة عقائدية، وهل ينسجم هذا مع “البلاغة” التي قرّروا أنها الوجه الأكيد في إعجاز القرآن!
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...