الرئيسية / غير مصنف / دراسة في آية إكمال الدين (3) – د. عبد العالي المنصوري

دراسة في آية إكمال الدين (3) – د. عبد العالي المنصوري

 
(الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). سورة المائدة: 3.
ما الوجه في مجيء قوله سبحانه: (فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) بعد: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ) ؟
هل كان المسلمون يخشون الكفار قبل ذلك ؟
ولماذا يخشونهم ؟
 
مع أنّ الآية نزلت في السنة العاشرة للهجرة في حجة الوداع، أي: في آخر حياة النبي (ص) حتى ان الروايات تبين ان النبي (ص) لم يبقى بعد حجة الوداع الا أياما قليلة.
قال ابن كثير: (قال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام. وقال ابن جرير وغير واحد: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوما) تفسير ابن كثير: ج2 ص14.
وفي هذا الوقت كان الإسلام منتشراً في اغلب مناطق الجزيرة العربية، حتى ان النبي (ص) في آخر أيامه راسل الدول العظمى آنذاك، كالامبراطورية الساسانية والامبراطورية البيزنطية ودعاهم الى الإسلام.
وهذا يعني أن المسلمين كانوا اولي قوة ولديهم العدة والعدد الكافيان لمواجهة هذه الدول العظمى.
ويمكن معرفة ذلك بملاحظة ما بينه المؤرخون في عدد من حضروا واقعة الغدير، حيث ذكروا ان عدد المسلمين الذين حضروا واقعة الغدير؛ سبعين ألفاً، وفي بعضها مائتي الف.
هذا عدد من حضر في غدير خم فقط، ومن المؤكد أن عدد من لم يحضروا أكثر من ذلك.
فلماذا الخشية من الكفار إذن ؟
 
الحقيقة ان المسلمين وإن كانوا كُثر لكن كثرتهم – بحسب المنطق الإلهي – لا تعني بقاء الدين مستقيماً، وبالتالي يبقى أعداء الدين الالهي لديهم العديد من الفرض للنيل منه ومسخ صورته الحقيقية، فالخشية على الدين موجودة مع كثرة عدد المسلمين، ومع صدقهم واخلاصهم لدينهم.
لا يرفع الخشية على الدين الالهي إلاّ شيء واحد، وهو تنصيب الناطق عن الله سبحانه، القيم على الدين الحافظ لحدوده، المطبق لتشريعات الله بلا زيادة ولا نقصان، الذي بوجوده يصان الدين ويستقيم، كما كان في عهد رسول الله (ص).
وهذا مقتضى الحكمة الربانية، لأن الناس بحاجة الناطق عن الله وهو النبي (ص) في زمانه، وبعد رحيله لابد من وجود شخص يخلفه في النطق عن الله، ليكون الهادي والقائد والواسطة بين الحق والخلق.
عن الامام الرضا (ع):
  • (إنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقوا وعاشوا إلّا بقيّم ورئيس، ولما لا بدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا ، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق ممّا يعلم أنّه لا بدّ لهم منه ، ولا قوام لهم إلّا به ، فيقاتلون به عدوّهم، ويقسمون فيئهم ، ويقيم لهم جمعهم وجماعتهم ، ويمنع ظالمهم من مظلومهم). عيون أخبار الرضا (ع): ج ۱ ص ۱۰٦ وما بعدها.
  • (أنّه لو لم يجعل لهم إماماً قيماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملة وذهب الدين وغيرت السنن والأحكام ، ولزاد فيه المبتدعون ، ونقص منه الملحدون ، وشبّهوا ذلك على المسلمين ، لأنّا وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين ، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتّت أنحائهم ، فلو لم يجعل لهم قيماً حافظاً لما جاء به الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لفسدوا على نحو ما بينا ، وغيرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان ، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين) المصدر السابق.
  • (أن الخلق لما وقفوا على حدّ محدود ، وأُمروا أن لا يتعدّوا ذلك الحدّ لما فيه من فسادهم .. يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من التعدّي والدخول فيما حظر عليهم ، لأنّه لو لم يكن ذلك لكان أحد لا يترك لذّته ومنفعته لفساد غيره ، فجعل عليهم قيماً يمنعهم من الفساد ، ويقيم فيهم الحدود والأحكام) المصدر السابق.
فبوجود الخليفة الإلهي يبقى الإسلام محفوظاً مهما حاول اعدائه – من الخارج والداخل – للنيل منه، فلذا أصيبوا باليأس وفقدوا الأمل.
وهذه الحقيقة واضحة جلية لمن قرأ سيرة أهل البيت (ع) وعرف مواقفهم – سلف عن خلف – في الحفاظ على الدين وبذل كل شيء من اجل بقاءه وديمومته، من موقف الصديقة فاطمة الزهراء (ع) وصبرها وجهادها، الى مواقف علي (ع) وابنيه الحسن والحسين (ع)، الى أبناء الحسين (ع).
  • عن ابي عبدالله الصادق (عليه السلام) (إن فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتهال المبطلين، وتأويل الجاهلين (بحار الانوار: ج٢ ص٩٢).
  • وعن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: (ولكل أمة رسول) -: تفسيرها بالباطن أن لكل قرن من هذه الأمة رسولا من آل محمد يخرج إلى القرن الذي هو إليهم رسول، وهم الأولياء، وهم الرسل) تفسير العياشي: ج2 ص123.
  • وعن الامام الصادق- في قوله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) -: (يدعو كل قرن من هذه الأمة بإمامهم، قلت: فيجئ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قرنه، وعلي (عليه السلام) في قرنه، والحسن (عليه السلام) في قرنه، والحسين (عليه السلام) في قرنه الذي هلك بين أظهرهم؟ قال: نعم (تفسير نور الثقلين: ج3 ص190.
ولذا فمن الطبيعي ان يكون الاستخلاف أصل الدين واساسه، ومن الطبيعي ان يكون الدين رجل، وهو خليفة الله في زمانه.
 
قال السيد أحمد الحسن (ع): (وهذا الأصلُ (الاستخلافُ): هو أصلُ الدينِ وعمودُهُ وركيزتُهُ. فمَنْ يَنْقُضْهُ فقد نقضَ الدينَ الإلهي ولم يُبقِ منهُ شيئاً. ولهذا أكدَ الأئمةُ (عليهم السلام) والإمامُ الصادقُ (عليه السلام) على أنَّ مَنِ اغتصبوا حقَ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) كانوا أصحابَ الحظِ الأوفرِ في نقضِ الإسلامِ، ليس لاغتصابِهِم حقَ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) فقط، بل لأنَّ هذا الاغتصابَ هو عبارةٌ عن نقضِ الأصلِ الذي يَرتكزُ عليهِ الدينُ الإلهي وهو الاستخلافُ، ومِنْ ثَمَّ جعلوا الناسَ ينحرفونَ عنْ هذا الأصلِ الذي هو الدينُ الإلهي من ألفِهِ إلى يائِهِ.
قالَ الإمامُ جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): «إنَّ الدينَ وأصلَ الدينِ هو رجلٌ وذلكَ الرجلُ هو اليقينُ وهو الإيمانُ وهو إمامُ أمتِهِ وأهلِ زمانِهِ فمَنْ عرفهُ عرفَ اللهَ ومَنْ أنكرهُ أنكرَ اللهَ ودينَهُ ومَنْ جَهِلَهُ جَهِلَ اللهَ ودينَهُ ولا يعرف الله ودينه وشرايعَهُ بغيرِ ذلكَ الإمام كذلك جرى بأنَّ معرفةَ الرجالِ دينُ اللهِ، والمعرفةُ على وجهه معرفةٌ ثابتةٌ على بصيرةٍ يعرف بها دين اللهِ ويوصل بها إلى معرفةِ اللهِ») عقائد الإسلام: ص6.
 
فيأس الكفار والمنافقون من الدين بتنصيب علي بن ابي طالب (ع) خليفة بعد رسول الله (ص).
ويأس الكفار والمنافقون من الدين بتنصيب الأئمة؛ ابناء علي بن ابي طالب خلفاء بعد علي بن ابي طالب (ع).
 
قال النبي الأكرم (ص) في ليلة وفاته لعلي (ع): (. . . يا علي، إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أول الاثني عشر إماماً سماك الله تعالى في سمائه: علياً المرتضى، وأمير المؤمنين، والصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، والمأمون، والمهدي، فلا تصح هذه الأسماء لأحد غيرك. يا علي، أنت وصيي على أهل بيتي حيهم وميتهم، وعلى نسائي: فمن ثبتها لقيتني غداً، ومن طلقتها فأنا برئ منها، لم ترني ولم أرها في عرصة القيامة، وأنت خليفتي على أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلمها إلى ابني الحسن البر الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الباقر، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الثقة التقي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الحسن الفاضل، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد (عليهم السلام). فذلك اثنا عشر إماماً، ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المقربين له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي واسم أبي وهو عبد الله وأحمد، والاسم الثالث: المهدي، هو أول المؤمنين) الغيبة، الطوسي: ص150.
 
فالقرآن يبشر المؤمنين ببقاء الدين الإلهي وحفظه – بتنصيب خليفة الله – ويأس أعدائه منه؛ (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ).
 
 
– بقلم د. عبد العالي المنصوري – اضغط هنا لمتابعته عبر الفيسبوك 
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...