الرئيسية / غير مصنف / دراسة في آية إكمال الدين (4) – د. عبد العالي المنصوري

دراسة في آية إكمال الدين (4) – د. عبد العالي المنصوري

 

 

(الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). سورة المائدة: 3.
 
أكملت وأتممت:
يرى بعضهم أن الإكمال والإتمام مترادفتان ولا فرق بينهما، وقال آخرون بوجود الفرق بينهما.
قال الزبيدي: (الكمال: التمام؛ وهما مترادفان كما وقع في الصحاح وغيره، وفرق بينهما بعض أرباب المعاني) القاموس: ج8 ص103.
إن الاتمام معطوف على الاكمال، وبما إنّ القاعدة المعروفة عندهم تقول إنّ العطف يقتضي المغايرة، فيكون للإتمام معنى مختلف عن معنى الإكمال.
 
ذكروا في بيان الفرق عدّة أقوال:
  1. الاتمام إزالة نقص الأصل والاكمال إزالة نقص العوارض.
إنّ الاتمام والاكمال يشتركان في إزالة نقصان، ولكن الإتمام يختص بإزالة نقصان الأصل، بينما الإكمال يختص بإزالة نقصان العوارض (الصفات)، بعد تمام الأصل.
يقال: (رجل تام) ان كان غير ناقص الخلقة، و (رجل كامل) اذا كان جامعاً لخصال الخير والصلاح. (راجع: الاتقان في علوم القرآن: ص749).
قال الزبيدي: (قال جماعة: التمام الإتيان بما نقص من الناقص، والكمال الزيادة على التمام، فلا يفهم السامع عربيا أو غيره من رجل تام الخلق إلا أنه لا نقص في أعضائه، ويفهم من كامل معنى زائد على التمام كالحسن والفضل الذاتي أو العرضي. فالكمال تمام وزيادة، فهو أخص) القاموس: ج8 ص 103.
وبناء على الفرق أعلاه يلزم ان يكون الدين ناقصاً قبل نزول الآية، مع ان الآية نزلت في حجة الوداع ولم يبق النبي بعدها الا فترة قليلة ورحل عن الدنيا، فهل طيلة تلك الفترة كان الدين ناقصاً؟
أجيب عن ذلك، بأن الدين كان كاملاً بحسب تلك المرحلة وبحسب ذلك الوقت، إلاّ إنّ هذا لا يعني انه كامل في المراحل الزمنية الآتية.
 
توجد مرحلتان:
1/ كمال الدين في مرحلة مخصوصة؛ وهي المرحلة التي كانت من مبعث الرسول الى زمن نزول الآية.
2/ كمال الدين منذ ان نزلت الآية الى يوم القيامة.
 
والآية تبين المرحلة الثانية، أي ان الآية اخبرت المسلمين بكمال دينهم الى يوم القيامة، فهو الدين الكامل والخاتم لجميع الأديان الإلهية.
وهذا الجواب بناء على ان اكمال الدين انما حصل بتشريع تلك الاحكام التي ذكرتها الآية؛ (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) سورة المائدة: 3.
مع انه تقدم ان قوله سبحانه: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) لا علاقة له بما قبله ولا بما بعده، مما يعني أن يأس الكفار من الدين، وإكماله واتمام النعمة لا علاقة لها بتشريع الاحكام المتقدمة.
هذا ان قلنا بأن قوله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) جزء من الآية الثالثة من سورة المائدة.
اما ان ادخلنا مسألة أخرى؛ وهي ان ترتيب السور والايات القرآنية لم يكن بحسب النزول – كما قال به العديد من علماء السنة والشيعة – فعدم ارتباط قوله سبحانه (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . .) يكون أوضح.
وعدم وجود ارتباط بين بعض الايات، او بين بعض جمل الآية الواحدة ليس أمراً غريبا في القرآن.
 
قال الشوكاني: (.. بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل باسم ربك الذي خلق وبعده أيها المدثر أيها المزمل وينظر أين موضع هذه الآيات والسور في ترتيب المصحف … فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعاً أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله الله متأخراً وتأخر ما أنزله الله متقدماً فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة…) فتح القدير: ج1 ص95.
 
وقال الطباطبائي – وهو من مفسري الشيعة – : (لا شك أنّ السور والآيات القرآنية لم تثبت في القرآن على ترتيب نزولها على الرسول…) القرآن في الإسلام : ص126.
 
وهذا الأمر يستشعره من تأمل في الآية محل البحث، ومن تأمل في قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴿٢٨﴾ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّـهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٢٩﴾ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرًا ﴿٣٠﴾ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ﴿٣١﴾ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴿٣٢﴾ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴿٣٣﴾ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّـهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴿٣٤﴾)
 
فيلاحظ المتأمل ان قوله سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) لا ترتبط بما قبلها ولا بما بعدها، والذي يدل على ذلك عدة أمور، اذكر اثنين منها:
 
1/ الاختلاف في الضمائر.
فالاية تخاطب نساء النبي بضمير الجمع المؤنث؛ (. . . إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ . . . أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ. . . تُرِدْنَ . . . يَأْتِ مِنكُنَّ . . . اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ . . . وَقُلْنَ . . . وَقَرْنَ . . . تَبَرَّجْنَ . . . وَأَقِمْنَ . . .وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ . . . وَاذْكُرْنَ بُيُوتِكُنَّ).
بينما تخاطب أهل البيت بضمير الجمع المذكر؛ (. . . عَنكُمُ . . .).
وهذا يعني إنّ قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) لا ارتباط له بما قبله، ولا بما بعده.
 
2/ الاختلاف في المدح والذم.
خطاب نساء النبي (ص) جاء للمعاتبة والتأديب؛ (. . . فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ . . . وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴿٣٢﴾ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ . . . وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ. . .)
بينما خطاب أهل البيت (ع) جاء للمدح والتفضيل؛ (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).
وهذا يؤكد عدم ارتباط قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) بما قبله، ولا بما بعده.
فكذلك الأمر في آية اكمال الدين، فهي لا ترتبط بنا قبلها ولا بما بعدها؛ ولعل ذلك انما حصل بسبب عدم الترتيب بحسب النزول، كما نص عليه الشوكاني والطباطبائي وغيرهما.
وعليه فيأس الكفار وإكمال الدين وإتمام النعمة لم تحصل بتشريع تلك الاحكام المذكورة في الآية، وإنما حصلت بتنصيب الخليفة بعد النبي (ص)، ليستمر استخلاف الله في الأرض بعد النبي (ص) بوجود خلفائه.
لذا، فالأنسب في الجواب ان يقال: ان الدين في زمن النبي (ص) وبحسب تلك المرحلة الزمنية كان كاملاً بوجود النبي (ص)، فهو الشريعة والشريعة متمثلة بشخصة، وفي المرحلة الزمنية الآتية – وبعد رحيل النبي (ص) – تنص الآية ان الدين اكتمل بتنصيب الشخص الذي يخلف النبي (ص) في مهامه الرسالية والقيادية.
 
(للحديث صلة)
 
 
– بقلم د. عبد العالي المنصوري – اضغط هنا لمتابعته عبر الفيسبوك 
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...