الرئيسية / غير مصنف / دراسة في آية إكمال الدين (5) – د. عبد العالي المنصوري

دراسة في آية إكمال الدين (5) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). سورة المائدة: 3.

1/ الاتمام والاكمال:
2. الاتمام يشعر بالنقص قبله بخلاف الاكمال.
تقدم القول الأول في بيان الفرق بين الإكمال والإتمام.
أمّا القول الثاني فيفترق عن القول الأول، بكون الأول جعل اللفظين (الاتمام والاكمال) مشتركان في إزالة النقص، بمعنى وجود نقص قبلهما، وتارة يزول – النقص – بالاتمام، وأخرى يزول بالاكمال.
بينما القول الثاني؛ يرى إنّ الاتمام مسبوق بالنقص، أمّا الإكمال فغير مسبوق بالنقص.
في القاموس للزبيدي: (وقيل التمام يستدعي سبق نقص، بخلاف الكمال) القاموس الزبيدي: ج8 ص 212

وبناء على هذا يرتفع الاشكال الذي أورد على القول الأول؛ اعني: كون الدين ناقص قبل نزول آية الاكمال، لكون اكمال الدين لا يعني انه كان ناقصا قبل ذلك.

3. الإكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف بخلاف الإتمام.
الاكمال اسم يطلق على اجتماع أبعاض (أجزاء) الموصوف به، فكمال يعني اجتماع، ولذا قال المتكلمون: العقل كمال علوم ضروريات يميز بها القبيح من الحسن، أي: اجتماع علوم ضرورية يميز بها القبيح والحسن.
وهذا يعني إنّ الكمال يطلق على المركب (المجموع) الذي لا يحصل الغرض منه إلاّ بكل أجزائه.
اما الاتمام فهو اسم للجزء – وليس للمجموع – الذي يتم به الموصوف ويكون تاماً، لذا يقال: هذا تمام حقك للجزء الذي به يتم الحق، ولا يقال هذا كمال حقك.
فالاكمال يعني الانتهاء إلى غاية ليس وراءها مزيد، وبها يحصل الغرض من الدين.
قال أبو هلال العسكري: (أن قولنا كمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به ولهذا قال المتكلمون العقل كمال علوم ضروريات يميز بها القبيح من الحسن يريدون إجتماع علوم، ولا يقال تمام علوم لان التمام اسم للجزء والبعض الذي يتم به الموصوف بأنه تام ولهذا قال أصحاب النظم القافية تمام البيت ولا يقال كمال البيت ويقولون البيت بكماله أي باجتماعه والبيت بتمامه أي بقافيته، ويقال هذا تمام حقك للبعض الذي يتم به الحق ولا يقال كمال حقك، فإن قيل لم قلت إن معنى قول المتكلمين كمال علوم إجتماع علوم؟ قلنا لا اختلاف بينهم في ذلك والذي يوضحه أن العقل المحدود بأنه كمال علوم هو هذه الجملة واجتماعها ولهذا لا يوصف المراهق بأنه عاقل وإن حصل بعض هذه العلوم أو أكثرها له وإنما يقال له عاقل إذا اجتمعت له). معجم الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري: ص458.
وتأسيساً على هذا الفرق تكون النتيجة ان الدين الإلهي (الإسلام) لا يحصل الغرض منه الاّ بتنصيب الخليفة بعد النبي (ص)، فلو وجدت جميع الأجزاء (التشريعات) الاّ تنصيب الخليفة بعد النبي (ص) فلن يتحقق الغرض من الدين الإلهي.
بعبارة أخرى: ان النبي (ص) بتنصيبه لخليفته من بعده اكتمل الدين وتحقق الغرض منه، ولو لم ينصب أمير المؤمنين خليفة من بعده فلن يحصل الغرض من الدين.
وهذا المعنى واضح جداً من خلال قراءة قوله تعالى: ({ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } ، ( سورة المائدة ، الآية :67 )
فالآية تبين – وبوضوح – ان عدم تبليغ الرسول (ص) للأمر المكلف بابلاغه يساوي عدم تبليغه (ص) لرسالته (الإسلام)، مما يعني ان الامر الذي نزلت به الاية والذي أمر النبي بتبليغه يساوي الإسلام كله، وبدونه لا وجود للدين الاسلامي.
وهذه الحقيقة؛ لأنّ الدين بلا قيم منصب من قبل الله تعالى يقوم بشؤونه لن يبقى منه إلاّ الاسم والوجود الشكلي الذي هو بمثابة العدم، وهذا ما نشاهده اليوم بسبب إقصاء المنفذ الحقيقي للدين المنصب من قبل الله تعالى.
إنّ اقصاء خليفة الله وسلب حقه يعني نقض الدين الالهي، لأنّ الاستخلاف أصل الدين الإلهي وأساسه.
قال السيد أحمد الحسن (ع): (وهذا الأصلُ (الاستخلافُ): هو أصلُ الدينِ وعمودُهُ وركيزتُهُ. فمَنْ يَنْقُضْهُ فقد نقضَ الدينَ الإلهي ولم يُبقِ منهُ شيئاً. ولهذا أكدَ الأئمةُ (عليهم السلام) والإمامُ الصادقُ (عليه السلام) على أنَّ مَنِ اغتصبوا حقَ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) كانوا أصحابَ الحظِ الأوفرِ في نقضِ الإسلامِ، ليس لاغتصابِهِم حقَ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) فقط، بل لأنَّ هذا الاغتصابَ هو عبارةٌ عن نقضِ الأصلِ الذي يَرتكزُ عليهِ الدينُ الإلهي وهو الاستخلافُ، ومِنْ ثَمَّ جعلوا الناسَ ينحرفونَ عنْ هذا الأصلِ الذي هو الدينُ الإلهي من ألفِهِ إلى يائِهِ.
قالَ الإمامُ جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): «إنَّ الدينَ وأصلَ الدينِ هو رجلٌ وذلكَ الرجلُ هو اليقينُ وهو الإيمانُ وهو إمامُ أمتِهِ وأهلِ زمانِهِ فمَنْ عرفهُ عرفَ اللهَ ومَنْ أنكرهُ أنكرَ اللهَ ودينَهُ ومَنْ جَهِلَهُ جَهِلَ اللهَ ودينَهُ ولا يعرف الله ودينه وشرايعَهُ بغيرِ ذلكَ الإمام كذلك جرى بأنَّ معرفةَ الرجالِ دينُ اللهِ، والمعرفةُ على وجهه معرفةٌ ثابتةٌ على بصيرةٍ يعرف بها دين اللهِ ويوصل بها إلى معرفةِ اللهِ») عقائد الإسلام: ص6.
إبعاد خليفة الله إبعاد للدين الإلهي، وإنكار خليفة الله إنكار لله ودينه، والجهل بخليفة الله جهل بالله ودينه؛ لكون خليفة الله أصل الدين، والانحراف عنه انحراف عن الدين الإلهي.

ثم ان ابعاد وتغييب خليفة الله لا ينقص من مقامه الإلهي، وإنما يعود الضرر والخسارة على الناس والمجتمع، لكونهم يبقون بلا عاصم يعصمهم ويرشدهم لطريق الخير والصلاح، فينتشر الجهل وتدب الخلافات وتكثر الآراء والاجتهادات إلى أن يصبح الدين اسماً بلا محتوى، وشكلاً بلا جوهر.

4. الكمال لا يزاد عليه والتمام يزاد عليه.
الاكمال لا يزاد عليه لكونه الحالة المثلى، بخلاف الاتمام فيزاد عليه، فالكمال تمام وزيادة، فلكون الدين الإلهي لا يزاد عليه بعد استخلاف القائم بالدين، قالت الآية: (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، وبما ان النعمة يمكن ان يزاد عليها قالت الآية: (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي). ولم يُستعمل مع النعمة الاكمال، وانما استعمل الاتمام في العديد من الآيات:
  • (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) الفتح: 2.
  • (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة: 6
وذلك لكون النعمة لا تنتهي، (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) إبراهيم: 34.
وعن الإمام عليّ (ع): (الحمد لله الّذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يُحصي نعماءه العادون) (نهج البلاغة، الخطبة 1).
هذا، ويمكن ان يكون المقصود بتمام النعمة إكرام المسلمين بخلفاء النبي (ص) الذي كان أولهم أمير المؤمنين (ع)، فهم كلمات الله التي تفضل بها على العالمين.
عن جميل عن أبي عبد الله (ع)، قال: (قلت له: ” لتسألن يومئذٍ عن النعيم ” قال: تسأل هذه الأمة عما أنعم الله عليها برسوله ثم بأهل بيته) مكيال المكارم: ج2 ص224.
عن أبي حمزة قال: ( كنا عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة فدعا بطعام ما لنا عهد بمثله لذاذة وطيبا وأتينا بتمر تنظر فيه أوجهنا من صفائه وحسنه فقال رجل: “لتسألن عن هذا النعيم الذي تنعمتم به عند ابن رسول الله. فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله عز وجل أكرم وأجل أن يطعم طعاما فيسوغكموه ثم نسألكم عنه إنما يسألكم عما أنعم عليكم بمحمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم) المحاسن: ج2 ص400.

ولا يفوتني ان اذكر بوجود أقوال أخرى في الفرق بين الاكمال والاتمام تركتها اختصاراً.

2 / رضيت لكم الإسلام ديناً:
هل رضي الله بالإسلام ديناً بعد نزول الآية، أمّا قبل نزولها فلم يحض الإسلام برضا الله سبحانه؟
جميع المسلمين الذين رحلوا عن الدنيا هل كانوا على دين ناقص غير مكتمل ؟

في الجواب عن ذلك يمكن ان يقال:

1. ان الدين الإسلامي كان كاملاً بوجود النبي (ص)، فالدين متمثل بشخصه، امّا نزول التشريعات في فترات مختلفة فهو مقتضى الحكمة في بيان الاحكام الإلهية، ومن عاش في بداية الإسلام فهو مكلف بالشريعة في زمنة، وهذا لا ينافي مجيء تكاليف أخرى يُكلف بها الموجودون في زمن ذلك التكليف.
ولا يعتبر هذا من النقص في الدين؛ فمن تعبد بالدين الإسلامي في أول تشريعاته ورحل عن الدينا لا يعني انه تعبد بدين ناقص بالنسبة له، لأن وظيفته الايمان والعمل بالتشريعات المأمور بها، أمّا التي لم تشرع بعد فهو غير مكلف بها، ومادام غير مكلفاً بها فلا يكون دينه ناقصاً.
فمن صلى في السفر قصراً لا يعني انه اتى بصلاة ناقصة، بل اتى بما هو مكلف به، فكذلك من عاش قبل نزول الآية فهو قد اتى بما هو مكلف به.
2. يمكن أن تكون العبارة (رضيت لكم . . .) إشارة إلى خاتمية الدين الإسلامي، بمعنى أنّ الدين الإسلامي أصبح مؤهلاً ليواكب العصور ويجاريها ويلبي حاجة البشرية بسبب وجود القائم به والمطبق لتشريعاته،
ويمكن ان يجتمع الامران اذ لا تنافي باجتماعهما معاً.
– بقلم د. عبد العالي المنصوري – اضغط هنا لمتابعته عبر الفيسبوك
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...