الرئيسية / غير مصنف / دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

دراسة في آية إكمال الدين (6) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) سورة المائدة: 3.
عرفنا إن الدين قد اكتمل باستخلاف علي ابن ابي طالب وأولاده (ع) بعد رسول الله (ص)، والدين هو العقيدة والشريعة، وكلاهما اكتمل بحسب الآية، والا يلزم التنافي مع ما جاءت به الآية الكريمة.
قال السيد احمد الحسن (ع): (الذي اكتملَ بحسبِ هذه الآيةِ هو الدينُ، والدينُ هو الشريعةُ والعقيدةُ، والقولُ بعدمِ اكتمالِ أحدِهما يتعارضُ مع ظاهرِ الآيةِ. كما أنَّ عدمَ اكتمالِ أيٍّ منهما في واقعِ حالِ وفي أطروحةِ أيِّ طائفةٍ إسلاميةٍ يعني أنَّ هذه الطائفةَ غيرُ محقةٍ؛ لأنَّ واقعَ حالِها يخالفُ ظاهراً قرآنياً جلياً) عقائد الإسلام: ص62.
وهذا يعني ان خليفة الله هو من يتكفل بيان الدين بقسميه العقيدة والشريعة في كل زمان، لكونه الناطق عن الله سبحانه، ولن يحتاج الدين – في بيانه وتطبيقه – لأحد غيره.

وهذه العقيدة الحقة؛ عقيدة آل محمد صلوات الله عليهم.

قال السيد أحمد الحسن (ع): (أمّا آلُ محمدٍ (صلى الله عليه وآله) فاكتمالُ الدينِ عندهُم بتنصيبِ خليفةِ الله؛ حيثُ إنّه (صلى الله عليه وآله) مَنْ يتكفّلُ بيانَ العقيدةِ الحقّةِ والتشريعِ بأمرِ اللهِ، وبالتالي لا توجدُ ثغرةٌ ولا تناقضٌ بينَ
هذهِ العقيدةِ وبينَ ظاهرِ آيةِ إكمالِ الدين، فالدينُ يكتملُ بتنصيبِ الناطقِ عن اللهِ أو خليفةِ اللهِ بعدَ رسولِ اللهِ محمدٍ (صلى الله عليه وآله)، وبهذا يكونُ الدينُ عقيدةً وتشريعاً قد اكتمل، فلا توجدُ ثغرةٌ في هكذا دين يسدُّها فقهاءٌ غيرُ معصومين بآرائِهم وأهوائِهم) عقائد الإسلام: ص62.

وبهذا تكون الآية قد أبطلت جميع المناهج التي تخالف منهج آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، كالمنهج السني والمنهج الشيعي القائم على تقليد غير المعصوم. وهذا ما سيتضح في الأبحاث الآتية.

1. المنهج العقدي السني (أبناء السنة والجماعة):
يرتكز المنهج السني في الجانب العقدي على انكار الاستخلاف بعد النبي (ص)، بمعنى: ان النبي (ص) لم ينص على أحد يخلفه في مهامه، وترك المسلمين بلا ان يبين لهم نظام الحكم الذي ينبغي ان يسيرون عليه، وبالتالي ترك باب الخلافة مفتوحاً مما جعل المسلمين يختلفون ويتصارعون للوصول الى منصب الخلافة الإسلامية، كما حصل في سقيفة بني ساعدة.
بعض الصحابة تشاوروا واتفقوا على اختيار ابي بكر خليفة بعد النبي (ص) ثم اختاره بقية المسلمين، وهو في آخر أيامه نص على عمر بن الخطاب، وعمر جعل الامر بين جمع من الصحابة فاختاروا عثمان. وهكذا لم يبين النبي (ص) نظاماً للحكم الإسلامي، ولم ينص على شخص يخلفه.
ولكل أحد طرح عدة أسئلة، منها:
     1. لماذا لم يعين النبي (ص) شخصاً يخلفه في مهامه وبه يحسم النزاع بين المسلمين ؟
     2. الخلفاء الذين أتوا بعد النبي (ص) كأبي بكر وعمر لم يتركوا المسلمين بلا خليفة يخلفهم، فقد استخلف الأول الثاني، والثاني لم يمت الاّ بعد ان عرف خليفته من بعده. هل أبو بكر وعمر اشد حرصاً على الامة من النبي (ص) ؟ هل كانا اكثر معرفة من النبي (ص)، هل كانا أكثر تدبيراً من النبي (ص) ؟
     3. المعروف من سيرة النبي (ص) انه يستخلف من ينوبه عند خروجه من المدينة، فلماذا لا يستخلف من ينوبه عند خروجه من هذه الدنيا ؟
     4. هل يترك النبي (ص) الرسالة الإسلامية الخاتمة بيد من اتهموه بالهجر ؟

     5. العقل والعقلاء يحكمان بضرورة الاستخلاف، والنبي أعقل الناس واكثرهم حكمة، فكيف يترك تنصيب خليفة يقوم مقامه؟

وهكذا، ترد العديد من الأسئلة المحرجة التي ليس لها جواباً منطقياً.
ثم إنهم – أبناء السنة والجماعة – يقولون باكتمال الدين، فكيف يكون الدين كاملاً بلا منفذ لأحكامه ؟
الله سبحانه الذي اختار لدينه اطهر واصدق الخلق المعصومين في زمانهم ليبعثهم بدينه، لضمان وصوله الى الناس صحيحاً نقياً، كيف يتركه بيد اشخاص غير معصومين ؟ هل يتحقق الغرض الالهي من الدين لو تركه بيدهم ؟
واذا كان كذلك، فما ضرورة العصمة في الانبياء وما ضرورة اختيارهم من الله مع امكان قيام غير المعصوم بمقامهم وأداء وظيفتهم ؟
ان الحاجة التي تدعوا لوجود النبي (ص) بين ظهراني الامة نفسها تدعوا لوجود خليفته بعد وفاته، فاذا كان وجود النبي (ص) في زمانه ضرورة ولن يمكن ان يسد مسده غيره، فكذلك وجود خليفته بعد وفاته ضرورة؛ لنفس السبب.
إنّ المجتمع بحاجة الى خليفة الهي يرافقه في مسيرته ويبين له الدين الصحيح، والاحكام الشرعية في كل زمان، والاّ لما اكتمل الدين وأصبح خاتماً لجميع الاديان الالهية.
وعلى كل حال، ان القول بعدم تنصيب النبي (ص) لخليفة يقوم مقامه بعد رحيله يتعارض مع آية إكمال الدين، إذ لا يمكن وصف الدين بالكمال مع غياب المنفذ والمطبق الذي به يتحقق الهدف والغرض من التشريعات الإلهية.
وبهذا يكون المنهج السني الذي لا يرى وجود خليفة من الله منصب يخلف النبي (ص) في مهامه، متعارضاً مع آية إكمال الدين؛ لأن اكمال الدين ينفي الحاجة الى تنصيب شخص من قبل الناس، سواء عبر الشورى او غيرها.
بعبارة أخرى: الآية تقول إنّ الدين كامل بقول مطلق، أي؛ في كل شيء، وفي كل الازمان؛ كامل في حياة النبي (ص)، وبعد وفاته، وهذا يعني ضرورة وجود شخص يسد مسد النبي (ص) ويكون خليفته بعد وفاته، وبه يتصف الدين بالكمال كما كان في عهد النبي (ص)، والاّ يلزم ان يكون وجود النبي (ص) وعدمه سواء، لكون الدين يتصف بالكمال حتى مع عدم وجوده، وهذا غير صحيح قطعاً.
تفسير أبناء السنة والجماعة لآية اكمال الدين:
بما ان أبناء السنة والجماعة لا يعتقدون بالتنصيب الإلهي بعد النبي (ص)، فقد ذهب العديد من مفسريهم وفقهاءهم الى القول بعدم ارتباط اية اكمال الدين باستخلاف امير المؤمنين علي ابن ابي طالب بعد النبي (ص).
قال ابن تيميّة: (إنّ هذه الآية ليس فيها دلالة على عليٍّ ولا على إمامته بوجه من الوجوه، بل فيها إخبار اللّه بإكمال الدين وإتمام النعمة على المؤمنين، ورضا الإسلام ديناً، فدعوى المدّعي أنّ القرآن يدلّ على إمامته من هذا الوجه كذب ظاهر، وإن قال: الحديث يدلّ على ذلك، فيقال الحديث إن كان صحيحاً فتكون الحجّة من الحديث لا من الآية، وإن لم يكن صحيحاً فلا حجّة في هذا ولا في هذا، فعلى التقديرين لا دلالة في الآية على ذلك). منهاج السُنّة 4: 16.

لنا ان نسأل ابن تيمية؛ ما هو الأمر الذي به اكتمل الدين وتمت النعمة ورضي سبحانه بالإسلام ديناً خاتماً ؟

عموماً، ان ابناء السنة والجماعة فسّروا (أكملت لكم دينكم) بعدة أمور، منها:
1/ بيان الحلال والحرام.
2/ انفرادكم بالحج دون المشركين.

قال الطبري: (اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك: فقال بعضهم : يعني جل ثناؤه بقوله : (اليوم أكملت لكم دينكم): ( اليوم أكملت لكم أيها المؤمنون فرائضي عليكم وحدودي، وأمري إياكم ونهيي ، وحلالي وحرامي ، وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي، وتبياني ما بينت لكم منه بوحيي على لسان رسولي، والأدلة التي نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم، فأتممت لكم جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم . . . وقالوا: لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من الفرائض ولا تحليل شيء ولا تحريمه . . . وقال آخرون : معنى ذلك : (اليوم أكملت لكم دينكم) حجكم، فأفردتم بالبلد الحرام تحجونه أنتم أيها المؤمنون دون المشركين لا يخالطكم في حجكم مشرك) تفسير الطبري: ج6 ص106 وما بعدها.

3/ إزالة الخوف عن المسلمين.

قال الفخر الرازي: ((أكملت لكم دينكم) هو إزالة الخوف عنهم وإظهار القدرة لهم على أعدائهم، وهذا كما يقول الملك عندما يستولي على عدوه ويقهره قهرا كليا: اليوم كمل ملكنا، وهذا الجواب ضعيف لأن ملك ذلك الملك كان قبل قهر العدو ناقصا. الثاني: أن المراد: إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعلم الحلال والحرام، وهذا أيضا ضعيف لأنه لو لم يكمل لهم قبل هذا اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع كان ذلك تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، وأنه لا يجوز. . .) تفسير الرازي: ج11 ص138.

4/ بيان ما يلزم بيانه، ويستنبط منه غيره.

قال الالوسي: (لأنّ المراد إكمال الدين نفسه بيان ما يلزم بيانه، ويستنبط منه غيره والتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أصول الشرع وقوانين الاجتهاد، وروي عن سعيد بن جبير. وقتادة أن المعنى (اليوم أكملت لكم) حجكم وأقررتكم بالبلد الحرام تحجونه دون المشركين – واختاره الطبري – وقال: يرد على ما روي عن ابن عباس. والسدي رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى أنزل بعد ذلك آية الكلالة وهي آخر آية نزلت) تفسير الالوسي: ج6 ص60.

وجميع هذه الاقوال – كما تقدم- لا تنسجم مع مضمون آية إكمال الدين من عدّة وجوه، اذكر منها وجهين:
1/ ان الآية بحسب ما يرى العديد من علماء العامة انها نزلت في يوم عرفة، لكن لم يحدثنا التاريخ عن حصول حدث كبير في ذلك اليوم بسببه أصيب الكفار باليأس من الدين الإسلامي.
فهل أصيب الكفار باليأس، وأكتمل الدين الإسلامي ورضيه سبحانه ديناً خاتماً؛ لكونه (ص) بين لهم الحلال والحرام، او يأس الكفار لانفراد المسلمين بالحج دون المشركين، او بسبب إزالة الخوف عن المسلمين، او بسبب بيان ما يلزم بيانه، ويستنبط منه غيره ؟
هذه الاقوال الأربعة لا يمكن ان تكون تفسيراً للآية، وانما هي اجتهادات مظنونة مردودة على أصحابها، لكونها لم تسند الى النبي (ص).
2/ لو كان اكمال الدين بسبب ما قيل (الاقوال الأربعة أعلاه) لما صح نزول شيء من الاحكام بعدها، بينما نجد أبناء السنة والجماعة مختلفين في آخر ما نزل من القرآن؛ لاختلاف رواياتهم في ذلك.
فمنهم من يرى ان آخر آية نزلت هي اية الربا، واخر يرى انها آية الدين، وثالث يرى أنها آية الكلالة، وبعضهم يرى انها آية اكمال الدين، وبعضهم يرى غير ذلك.

قال السيوطي: (معرفة آخر ما نزل فيه اختلاف، . . . فروى الشيخان عن البراء بن عازب قال آخر آية نزلت (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) . . . وأخرج البخاري عن ابن عباس قال آخر آية نزلت آية الربا . . . وأخرج النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال آخر شيء نزل من القرآن (واتقوا يوماً ترجعون فيه) . . . وقال الفريابي في تفسيره حدثنا سفيان عن الكلبي عن ابن صالح عن ابن عباس قال آخر آية نزلت (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) الآية وكان بين نزولها وبين موت النبي صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون يوماً) الاتقان: ج1 ص82.

والنتيجة التي ننتهي إليها إنّ القول بعدم تنصيب النبي (ص) لخليفة من بعده يسد مسّده ويقوم مقامه يتعارض مع آية إكمال الدين.

فالمنهج القائل بعدم التنصيب الالهي مخالف لآية إكمال الدين.

 

– بقلم د. عبد العالي المنصوري – اضغط هنا لمتابعته عبر الفيسبوك

اضف رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دراسة في آية إكمال الدين (5) – د. عبد العالي المنصوري

قال تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ...